تماشياً مع التوقعات السائدة في الأسواق المالية، أعلن بنك إنجلترا (Bank of England) قراره بالإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند مستوى 3.75%. يأتي هذا القرار في ظل بيئة اقتصادية معقدة، حيث لا يزال معدل التضخم أعلى من الهدف المحدد للبنك المركزي، بينما تظهر مؤشرات النمو الاقتصادي دلائل على التعافي، مما يعكس حذراً في السياسة النقدية.
السياق الاقتصادي والسياسة النقدية لبنك إنجلترا
يُعد بنك إنجلترا، كغيره من البنوك المركزية الكبرى حول العالم، المؤسسة المسؤولة عن الحفاظ على استقرار الأسعار ودعم النمو الاقتصادي المستدام. يتمثل هدفه الأساسي في إبقاء التضخم عند مستوى 2%. خلال السنوات القليلة الماضية، شهد الاقتصاد العالمي، بما في ذلك المملكة المتحدة، ارتفاعات غير مسبوقة في معدلات التضخم، مدفوعة بعوامل متعددة مثل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، والارتفاع الحاد في أسعار الطاقة بعد الأزمات الجيوسياسية، والإنفاق الحكومي الكبير خلال جائحة كوفيد-19. لمواجهة هذا التضخم، شرع بنك إنجلترا في دورة تشديد نقدي قوية، رفع خلالها أسعار الفائدة بشكل متواصل للحد من الطلب وكبح جماح الأسعار.
ومع تراجع حدة التضخم تدريجياً من ذروته، بدأت البنوك المركزية في التفكير في التحول نحو سياسات أكثر تيسيراً. وقد خفض بنك إنجلترا بالفعل معدلات الفائدة بشكل متواصل على مدار الـ18 شهراً الماضية، وكان آخر خفض في ديسمبر الماضي بواقع ربع نقطة مئوية. هذه التحولات تعكس محاولة الموازنة الدقيقة بين مكافحة التضخم ودعم النمو الاقتصادي لتجنب الركود.
تفاصيل القرار وتداعياته
جاء قرار تثبيت الفائدة بأغلبية ضئيلة، حيث صوت 5 أعضاء من لجنة السياسة النقدية لصالح الإبقاء على المعدل الحالي، بينما فضل 4 أعضاء خفض أسعار الفائدة. هذا الانقسام يشير إلى وجود آراء متباينة داخل البنك حول المسار الأمثل للسياسة النقدية، ويعكس التحديات التي تواجه صناع القرار في تقييم الوضع الاقتصادي الحالي والمستقبلي.
على الرغم من أن التضخم قد تراجع بشكل ملحوظ من مستوياته القياسية، إلا أنه لا يزال عند 3.4%، وهو ما يظل أعلى من هدف البنك البالغ 2%. هذا الفارق يمثل عاملاً رئيسياً في قرار التثبيت، حيث يفضل البنك التأكد من استمرار التضخم في مساره الهبوطي نحو الهدف قبل الإقدام على تخفيضات إضافية. في المقابل، أظهر الاقتصاد البريطاني بداية أقوى من المتوقع لهذا العام، مما قد يضع ضغوطاً تصاعدية على التضخم في المدى القصير، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد.
من جانب آخر، قام بنك إنجلترا بتخفيض توقعاته لنمو الاقتصاد البريطاني لعامي 2026 و2027، وفقاً لوكالة فرانس برس. هذا التخفيض يشير إلى نظرة حذرة للآفاق الاقتصادية على المدى المتوسط، وقد يكون دافعاً للبنك لإعادة تقييم سياسته النقدية مستقبلاً إذا ما استمرت مؤشرات النمو في التباطؤ.
تأثير القرار على الأسواق والآفاق المستقبلية
كان رد فعل الأسواق المالية فورياً على القرار، حيث تراجع الجنيه الإسترليني أمام الدولار بنسبة 0.6%، من مستويات 1.3610 إلى 1.3550 للدولار. يعكس هذا التراجع جزئياً خيبة أمل بعض المستثمرين الذين ربما كانوا يأملون في إشارة أكثر وضوحاً نحو تخفيضات قريبة للفائدة، أو ربما يعكس القلق من التوقعات الاقتصادية المخفضة. بشكل عام، يؤثر تثبيت الفائدة على تكاليف الاقتراض للشركات والأفراد، مما قد يؤثر على قرارات الاستثمار والإنفاق في المملكة المتحدة.
على الصعيد الدولي، تتابع البنوك المركزية الكبرى قرارات بعضها البعض عن كثب. ففي حين أن لكل بنك مركزي ظروفه المحلية، إلا أن هناك ترابطاً قوياً بين الاقتصادات العالمية. قرار بنك إنجلترا قد يؤثر على توقعات الأسواق بشأن قرارات البنوك المركزية الأخرى، مثل البنك المركزي الأوروبي والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، خاصة وأن هذه البنوك تواجه تحديات مماثلة في إدارة التضخم والنمو.
على الرغم من قرار التثبيت الحالي، أشار بنك إنجلترا في وقت سابق إلى أنه من المرجح خفض معدل الفائدة بصورة أكبر خلال هذا العام. هذا يعني أن الباب لا يزال مفتوحاً أمام تخفيضات مستقبلية، والتي ستعتمد بشكل كبير على البيانات الاقتصادية القادمة، وخاصة مسار التضخم ونمو الأجور وسوق العمل. ستبقى الأنظار متجهة نحو التقارير الاقتصادية القادمة وقرارات البنك المركزي في اجتماعاته المقبلة لتحديد المسار المستقبلي للسياسة النقدية في المملكة المتحدة.


