يستعد بنك اليابان لبدء بيع حيازاته من صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) وصناديق الاستثمار العقاري (J-REITs)، في خطوة تاريخية تعكس تحولاً جذرياً في سياسته النقدية. هذا التحرك يمثل نقطة تحول مهمة نحو تطبيع السياسة النقدية في ثالث أكبر اقتصاد في العالم، ضمن خططه للتخلي التدريجي عن سياسة التحفيز النقدي الواسعة التي اتبعها لسنوات طويلة.
ووفقاً لتقارير وكالات إعلامية غربية، يخطط البنك المركزي لبيع صناديق المؤشرات المتداولة بمعدل سنوي يبلغ حوالي 330 مليار ين ياباني (ما يعادل 2.08 مليار دولار أمريكي)، بينما سيتم بيع صناديق الاستثمار العقاري بمعدل سنوي يقدر بنحو 5 مليارات ين ياباني. وقد أوضح البنك في بيان صدر مؤخراً أن الإرشادات المنظمة لعمليات بيع هذه الأصول، والتي أقرها مجلس الإدارة في سبتمبر الماضي، ستدخل حيز التنفيذ اعتبارًا من 19 يناير، مما يفتح الباب أمام بدء عمليات البيع خلال الأيام القليلة القادمة، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من إدارة السيولة في السوق اليابانية.
يأتي هذا التحرك في أعقاب عقد من السياسات النقدية غير التقليدية التي تبناها بنك اليابان، والتي كانت جزءًا أساسيًا من استراتيجية “أبينومكس” التي أطلقها رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي. هدفت هذه السياسات، التي شملت التيسير الكمي الهائل وأسعار الفائدة السلبية والتحكم في منحنى العائد، إلى مكافحة الانكماش المستمر الذي عانت منه اليابان لعقود طويلة، وتحقيق هدف التضخم البالغ 2%. لقد أدت هذه الإجراءات إلى تضخم الميزانية العمومية للبنك المركزي بشكل غير مسبوق، ليصبح أحد أكبر حاملي الأسهم في اليابان من خلال استثماراته في صناديق المؤشرات المتداولة.
يمثل قرار التخارج إشارة قوية على ثقة بنك اليابان في تعافي الاقتصاد الياباني وقدرته على تحقيق التضخم المستهدف بشكل مستدام. فبعد سنوات من ضخ السيولة ودعم الأسواق، يعتقد البنك أن الظروف الاقتصادية أصبحت مواتية للبدء في تقليص ميزانيته العمومية الضخمة. محلياً، قد يؤدي هذا التخارج إلى زيادة المعروض من الأسهم في السوق، مما قد يؤثر على أسعار الأسهم على المدى القصير، لكنه في الوقت نفسه يعكس عودة تدريجية نحو آليات السوق الطبيعية. كما أنه يمهد الطريق أمام بنك اليابان لتبني سياسة نقدية أكثر تقليدية في المستقبل، مما قد يؤثر على تكلفة الاقتراض وربحية البنوك التجارية.
على الصعيد الإقليمي والدولي، يحمل هذا التحول دلالات مهمة. فاليابان، كقوة اقتصادية عالمية رئيسية، يؤثر أي تغيير في سياستها النقدية على التدفقات الرأسمالية العالمية وأسواق العملات. قد يؤدي التخارج التدريجي إلى تعزيز قيمة الين الياباني على المدى الطويل، مما قد يؤثر على الشركات اليابانية الموجهة للتصدير. كما أن هذه الخطوة تضع بنك اليابان في مسار مشابه للبنوك المركزية الكبرى الأخرى، مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي، التي بدأت بالفعل في تشديد سياساتها النقدية. هذا التنسيق غير المباشر قد يساهم في استقرار الأسواق المالية العالمية، مع انتهاء حقبة السياسات النقدية شديدة التيسير التي سادت بعد الأزمة المالية العالمية.


