
تقف محافظة الطائف، المعروفة بلقب “عروس المصايف”، شاهدة على تاريخ عريق وحضارة متجذرة، وتزخر بالعديد من البيوت التاريخية التي تروي قصص الماضي وتعبر عن إبداع الإنسان في التناغم مع بيئته. ومن بين هذه الكنوز المعمارية، يبرز «بيت شقير» الأثري كأحد أهم المعالم في المنطقة التاريخية، والذي يجسد أصالة العمارة الحجازية ومتانتها، ويستعد اليوم لفتح أبوابه من جديد بعد مشروع ترميم شامل.
خلفية تاريخية وسياق معماري
تتمتع مدينة الطائف بأهمية تاريخية كبرى، حيث كانت المصيف المفضل لسكان الحجاز وقادة الدولة على مر العصور بفضل مناخها المعتدل وطبيعتها الخلابة. هذا الموقع الاستراتيجي جعلها ملتقى للطرق التجارية وقوافل الحج، مما أثرى ثقافتها وعمارتها. ويعكس الطراز المعماري الحجازي، الذي يتميز به بيت شقير، هذا التمازج الحضاري، مع التركيز على استخدام المواد المحلية والحلول البيئية المبتكرة للتكيف مع المناخ. فالمباني الحجازية التقليدية صُممت لتوفير أقصى درجات الراحة والخصوصية، وهو ما يتجلى بوضوح في تفاصيل بيت شقير.
تفاصيل معمارية فريدة
يقع «بيت شقير» في قلب الطائف القديمة، شمال مسجد العباس، ويتألف من ثلاثة طوابق تحكي كل منها فصلاً من تاريخه. بُني الطابقان الأول والثاني من حجر الجرانيت المحلي الصلب، الذي يوفر العزل الحراري والمتانة، مع استخدام أخشاب العرعر في الأسقف والأعمدة، وهي مادة تشتهر بمقاومتها وصلابتها ورائحتها العطرية. أما الطابق الثالث، الذي شُيّد لاحقاً بالخرسانة الإسمنتية، فيشير إلى مراحل التوسع والتحديث التي مر بها المبنى. وتعد “الرواشين” الخشبية المزخرفة التي تزين واجهته أبرز عناصره الجمالية والوظيفية، حيث تسهم في تبريد الفراغات الداخلية وتوفير التهوية الطبيعية، مع الحفاظ على خصوصية السكان، وهي سمة مميزة للعمارة في المنطقة.
أهمية المشروع وتأثيره المستقبلي
قبل عامين، بدأت هيئة التراث السعودية أعمالها التطويرية الدقيقة في المبنى، بهدف الحفاظ على طابعه الأصيل وإعادة إحيائه كوجهة ثقافية وسياحية. لم يكن المشروع مجرد ترميم، بل هو جزء من استراتيجية وطنية أوسع تهدف إلى الحفاظ على التراث العمراني السعودي ضمن مستهدفات رؤية 2030. إن إعادة افتتاح بيت شقير لا تمثل فقط الحفاظ على مبنى أثري، بل هي إحياء لجزء من الذاكرة الوطنية. ومن المتوقع أن يسهم هذا المعلم في تعزيز السياحة الثقافية في الطائف، وجذب الزوار والباحثين وعشاق التاريخ لاستكشاف عبق الماضي والاطلاع على أساليب البناء القديمة التي تعكس حكمة الأجداد وبراعتهم. ومع اقتراب موعد افتتاحه، يتوافد الزوار بالفعل إلى محيطه، مترقبين فرصة خوض تجربة فريدة في رحاب التراث الثقافي الغني للطائف التاريخية.


