شهدت عملة البيتكوين، أكبر عملة رقمية من حيث القيمة السوقية، تراجعًا حادًا لتتداول قرب مستوى 70 ألف دولار أمريكي، في ظل استمرار موجة الهبوط التي تضرب سوق العملات الرقمية بأكمله. وقد سجلت البيتكوين خلال تداولات الفترة الأخيرة أدنى مستوياتها في عام 2024، حيث بلغت 70,052 دولارًا، وهو ما يعكس سيطرة الضغوط البيعية على السوق وغياب المؤشرات الواضحة لوقف هذا التراجع السريع.
السياق التاريخي والتقلبات في سوق العملات الرقمية
منذ ظهورها في عام 2009، أثبتت البيتكوين نفسها كأصل مالي فريد، مقدمةً مفهوم العملة الرقمية اللامركزية. وقد تميز تاريخها بتقلبات سعرية حادة، شهدت خلالها فترات صعود صاروخي تلتها تصحيحات قوية. هذه التقلبات جعلت منها محط أنظار المستثمرين الباحثين عن عوائد مرتفعة، وكذلك منتقديها الذين يرون فيها أصلًا عالي المخاطر. في الآونة الأخيرة، كانت هناك توقعات إيجابية في السوق مدفوعة بالموافقة على صناديق تداول البيتكوين الفورية (ETFs) في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى حدث “التنصيف” (Halving) المرتقب، والذي عادةً ما يسبقه ويتبعه ارتفاع في الأسعار. ومع ذلك، فإن هذا التراجع الأخير يذكر المستثمرين بالطبيعة المتقلبة للسوق وتأثره بالعوامل الخارجية.
تفاصيل الهبوط وتأثيره على العملات الأخرى
لم يقتصر التراجع على البيتكوين وحدها؛ فقد سجلت العملة خسائر تجاوزت 7% خلال الأسبوع الجاري، مما رفع إجمالي خسائرها منذ بداية العام إلى نحو 20%. وفي السياق ذاته، انخفضت عملة إيثريوم، ثاني أكبر عملة رقمية، بنسبة 0.7% لتصل إلى 2,111 دولارًا، مع مخاوف من كسر حاجز 2000 دولار للمرة الأولى منذ مايو من العام الماضي، حيث تكبدت إيثريوم خسائر تقارب 30% منذ مطلع العام الحالي. هذا الأداء السلبي للعملتين الرائدتين يعكس حالة عدم اليقين التي تسود السوق وتؤثر على معظم الأصول الرقمية.
تأثير السياسة النقدية الأمريكية على شهية المخاطرة
يعزو المحللون هذا التراجع السريع والحاد إلى تطورات السياسة النقدية الأمريكية. فالتوقعات المتزايدة بانتهاج سياسة نقدية أكثر تشددًا من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والتي قد تشمل رفع أسعار الفائدة أو الإبقاء عليها مرتفعة لفترة أطول، تؤثر سلبًا على شهية المخاطرة في الأسواق المالية العالمية. الأصول ذات المخاطر العالية، مثل العملات الرقمية، تكون الأكثر تأثرًا في مثل هذه البيئات الاقتصادية. وقد أشارت بعض التحليلات إلى ترشيح شخصيات معروفة بمواقفها المتشددة تجاه السياسة النقدية، مثل كيفن وارش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مما يعزز هذه التوقعات ويدفع المستثمرين نحو الأصول الأكثر أمانًا بعيدًا عن الأسواق المتقلبة.
التداعيات العالمية وتوقعات المستقبل
إن هبوط عملة بحجم البيتكوين لا يقتصر تأثيره على المستثمرين الأفراد فحسب، بل يمتد ليشمل المؤسسات المالية التي دخلت هذا السوق، وكذلك الاقتصادات التي بدأت في تبني العملات الرقمية. يعكس هذا التراجع مدى ترابط سوق العملات الرقمية بالاقتصاد الكلي العالمي، وخاصة بالقرارات الصادرة عن البنوك المركزية الكبرى. في ظل هذه التطورات، يترقب المستثمرون بحذر أي إشارات من الاحتياطي الفيدرالي بشأن مسار سياسته النقدية المستقبلية، والتي ستكون حاسمة في تحديد اتجاه سوق العملات الرقمية على المدى القصير والمتوسط. يبقى سوق الكريبتو سوقًا ديناميكيًا وغير متوقع، وتظل التقلبات جزءًا أساسيًا من طبيعته.


