في خطوة تعكس التطور الثقافي والفني في المملكة العربية السعودية، افتتح وزير الطاقة رئيس مجلس أمناء “كابسارك” الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز، ووزير الثقافة رئيس مجلس إدارة هيئة المتاحف الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، متحف الذهب الأسود أمس في مقر مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية “كابسارك” بالعاصمة الرياض. يمثل هذا الصرح الثقافي محطة بارزة في المشهد الفني، حيث يقدم قراءة متكاملة لتاريخ البترول وتأثيره الممتد على مختلف جوانب الحياة البشرية.
الجذور التاريخية: كيف ألهم اكتشاف النفط فكرة متحف الذهب الأسود
لا يمكن فهم القيمة الحقيقية التي يقدمها متحف الذهب الأسود دون العودة إلى السياق العام والخلفية التاريخية لاكتشاف النفط. فمنذ تدفق البترول بكميات تجارية لأول مرة في المملكة العربية السعودية من بئر الدمام رقم 7 في أواخر الثلاثينيات الميلادية، لم يتغير وجه الاقتصاد المحلي فحسب، بل شهد العالم بأسره ثورة صناعية واقتصادية غير مسبوقة. هذا التحول التاريخي العميق هو ما يسعى المتحف لتوثيقه، ليس من خلال الأرقام والإحصائيات الجافة، بل عبر عدسة الفن الحديث والمعاصر، ليبرز كيف ساهم هذا المورد الطبيعي في تشكيل المجتمعات، وتطوير البنية التحتية، وتغيير أنماط الحياة اليومية على مستوى العالم.
تعاون استراتيجي بين الثقافة والطاقة
أوضح وزير الطاقة أن هذا الإنجاز هو ثمرة تعاون بناء بين منظومة الثقافة، ممثلة في هيئة المتاحف، ومنظومة الطاقة، ممثلة في “كابسارك”. من جهته، أشار وزير الثقافة إلى أن هذا الصرح يمثل محطة مهمة في القطاع الفني والحوار الثقافي العالمي. وبصفته أول متحف دائم مخصص للنفط والفن، فإنه يوفر مساحة استثنائية للتأمل الملهم والتفكير النقدي، والاحتفاء بالقوة التحويلية للثقافة في تشكيل فهمنا للعالم. ويعكس هذا الافتتاح التزام هيئة المتاحف بحفظ التراث والتاريخ والثقافة وتعزيزها للأجيال القادمة، إلى جانب دعم المشهد الإبداعي وتطوير أشكال جديدة من التعبير الفني في المملكة.
الأهمية الثقافية والتأثير المتوقع محلياً ودولياً
تبرز أهمية الحدث وتأثيره المتوقع على عدة أصعدة. محلياً، يعزز المتحف من مكانة الرياض كعاصمة للثقافة والفنون، ويوفر وجهة تعليمية وترفيهية رائدة للمواطنين والمقيمين. إقليمياً ودولياً، يضع المتحف المملكة على خارطة المتاحف النوعية العالمية، مما يجذب السياح والمهتمين بالفنون والتاريخ من مختلف أنحاء العالم. هذا التوجه ينسجم تماماً مع مستهدفات برنامج جودة الحياة، أحد أهم برامج تحقيق رؤية المملكة 2030، والذي يسعى إلى تنويع الأنشطة الثقافية والارتقاء بنمط حياة الفرد والأسرة.
أقسام المتحف ومقتنياته الفنية الفريدة
يختلف المتحف الجديد كلياً عن متاحف العلوم أو الصناعة التقليدية؛ إذ يتناول النفط من منظور إنساني وثقافي وفني. ويقدم مجموعة دائمة تضم أكثر من 350 عملاً فنياً حديثاً ومعاصراً، أبدعها ما يزيد على 170 فناناً سعودياً وعالمياً بارزاً من أكثر من 30 دولة. من بين هؤلاء الفنانين: منال الضويان، وأحمد ماطر، ومهند شونو، ومحمد الفرج، وأيمن زيداني، ودوغ أيتكن، وجيمي دورهام، ودينيس هوبر، وألفريدو جار، ورينو لايراك، وجورج صبرة، وباسكال مارثين تايو، وآندي واهومان. يضم المكان تركيبات فنية كبرى، وأعمالاً فوتوغرافية، ووثائق تاريخية تتيح للزوار استكشاف أثر النفط في تشكيل المجتمعات والاقتصادات.
رحلة تفاعلية عبر أربعة أقسام رئيسية
يتألف المعرض من 4 أقسام تفاعلية تأخذ الزائر في رحلة متسلسلة. يستعرض قسم «اللقاء» بدايات اكتشاف النفط واستخداماته المبكرة في منتصف القرن الـ19، وما أحدثه من تحولات في أنماط الحياة مع تسارع التصنيع. أما قسم «الأحلام» فيتتبّع تحوّل النفط إلى مورد أعاد تشكيل المجتمعات وعزز الطموحات التنموية. ويقدم قسم «الشكوك» قراءة لتأثير النفط والمفارقات المعقدة للاعتماد البشري عليه، في حين يستشرف قسم «الرؤى» المستقبل عبر برنامج متجدد يفتح المجال للحوار والاكتشاف.
تحفة معمارية بتوقيع زها حديد
يكتسب الموقع أهمية إضافية بفضل تصميمه المعماري؛ حيث يقع ضمن مجمع “كابسارك” في مبنى أيقوني صممته المعمارية العالمية الراحلة زها حديد. وقد طُورت الفراغات الداخلية للمتحف بعناية فائقة من قبل شركة التصميم الداخلي (DaeWha Kang Design)، لتتناغم مع المعروضات وتوفر تجربة بصرية وحسية متكاملة تليق بحجم وأهمية هذا المشروع الثقافي الرائد.


