تشهد بوليفيا موجة عارمة من احتجاجات بوليفيا التي اندلعت منذ مطلع الشهر، محولة العاصمة لاباز ومدناً أخرى إلى ساحات مواجهة بين آلاف المتظاهرين وقوات الأمن. وتأتي هذه الاضطرابات، التي أسفرت عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة العشرات، على خلفية ضغوط اقتصادية متفاقمة ومطالبات شعبية متصاعدة تنادي باستقالة الرئيس رودريجو باز. وقد استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود الغاضبة التي تضم مزارعين وعمال مناجم ومعلمين وسكاناً أصليين، خرجوا للتنديد بسياسات الحكومة والمطالبة برفع الأجور ووقف خصخصة الشركات الحكومية.
جذور الأزمة: من تراجع الاقتصاد إلى السخط الاجتماعي
لم تكن هذه الاحتجاجات وليدة اللحظة، بل هي تتويج لأزمة اقتصادية عميقة تعاني منها بوليفيا منذ فترة. يؤكد الخبراء أن اقتصاد البلاد يواجه صعوبات جمة نتيجة ضعف قطاع التصدير، المصدر الرئيسي للعملة الصعبة. هذا النقص الحاد في العملات الأجنبية يعيق قدرة الدولة على استيراد السلع الأساسية، وعلى رأسها الوقود، مما يؤدي إلى شلل في قطاعات حيوية. وقد انعكس هذا الوضع بشكل مباشر على حياة المواطنين، حيث أظهرت الإحصاءات الحكومية تراجعاً في القدرة الشرائية للبوليفيين بنسبة 14% مقارنة بالعام الماضي، وهو ما فاقم من معاناة الفئات الأكثر فقراً ودفع بالنقابات العمالية إلى المطالبة بزيادة الأجور وإعادة دعم البنزين.
وتفاقمت الأزمة بسبب سياسات الحكومة التي اعتبرها المحتجون تهديداً لمصالحهم، مثل القانون الذي سمح لأصحاب الأراضي برهن أجزاء صغيرة من ممتلكاتهم كضمان للحصول على قروض بنكية، وهو ما أثار مخاوف صغار المزارعين من فقدان أراضيهم لصالح الشركات الزراعية الكبرى. ورغم تراجع الحكومة وإلغائها للقانون، استمر التوتر وتصاعدت المطالب لتشمل رحيل الرئيس نفسه.
صدى التاريخ: هل تعيد احتجاجات بوليفيا سيناريوهات الماضي؟
تمتلك بوليفيا تاريخاً طويلاً من الاضطرابات السياسية والانتفاضات الشعبية التي غالباً ما تكون مدفوعة بالظروف الاقتصادية والانقسامات العرقية. فالذاكرة الشعبية لم تنسَ بعد “حرب المياه” في كوتشابامبا عام 2000 و”حرب الغاز” عام 2003، اللتين شكلتا نقطة تحول ضد السياسات النيوليبرالية. ويبدو أن التحركات الحالية، التي يقودها أكبر اتحاد عمالي في البلاد (COB)، تستلهم من هذا الإرث النضالي. يأتي هذا الحراك بعد نحو عقدين من الحكم الاشتراكي تحت قيادة إيفو موراليس ولويس آرسي، وهي فترة اتسمت بسيطرة الدولة القوية على الاقتصاد. واليوم، تجد الحكومة الحالية نفسها في مواجهة تحالف غير متجانس من الفئات الاجتماعية التي تشعر بأن مكاسبها تتآكل.
تداعيات تتجاوز الحدود
إن تأثير هذه الاحتجاجات لا يقتصر على الداخل البوليفي، فالإضرابات وإغلاق الطرق تسببت في نقص حاد في الوقود والغذاء ونفاذ أسطوانات الأكسجين من المستشفيات، بينما أغلقت البنوك أبوابها كإجراء احترازي. وعلى الصعيد الدولي، يراقب العالم بقلق ما يحدث في بلد يمتلك أحد أكبر احتياطيات الليثيوم في العالم، وهو المعدن الحيوي لصناعة البطاريات والتحول نحو الطاقة النظيفة. إن استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي قد يعرقل الاستثمارات الأجنبية ويؤثر على سلاسل التوريد العالمية لهذا المورد الاستراتيجي، مما يضيف بعداً دولياً للأزمة المحلية التي تعصف ببوليفيا.


