spot_img

ذات صلة

تعفّن الدماغ: تأثير المحتوى الرقمي على التركيز والصحة العقلية

image

في عصرنا الرقمي المتسارع، حيث يتدفق المحتوى بلا توقف، برز مصطلح “تعفّن الدماغ” (Brain Rot) ليصف ظاهرة ثقافية ونفسية متنامية. لا يُعد هذا التعبير مصطلحًا طبيًا بالمعنى التقليدي، بل هو وصف مجازي وسائد في ثقافات الإنترنت الحديثة، يُستخدم غالبًا بنبرة ساخرة لوصف حالة من الإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي السريع والخفيف، وما يرافق ذلك من شعور بالكسل الذهني، الإنهاك العقلي، وتراجع القدرة على التركيز.

تُشير هذه الظاهرة إلى شعور الأفراد بتدهور في قدراتهم الإدراكية، حيث يجدون صعوبة في استيعاب المحتوى الطويل أو المعقد، بينما يتشتت انتباههم بسهولة بفعل التمرير المستمر (scrolling) وسيطرة المقاطع القصيرة والمحتوى سريع الاستهلاك. هذا التشتت المستمر، الناتج عن التعرض المفرط للمعلومات المتدفقة بسرعة، يُعتقد أنه يؤثر على مسارات الدماغ المسؤولة عن الانتباه والذاكرة، مما يثير قلقًا متزايدًا بشأن تأثيره على الصحة العقلية للأجيال الشابة.

الخلفية التاريخية والسياق الثقافي لظاهرة “تعفّن الدماغ”

لم تظهر مخاوف تأثير التكنولوجيا على العقل البشري فجأة مع “تعفّن الدماغ”. فمنذ عقود، كانت هناك نقاشات حول تأثير التلفزيون، ثم ألعاب الفيديو، والآن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. ما يميز ظاهرة “تعفّن الدماغ” هو ارتباطها الوثيق بالجيل الرقمي الذي نشأ مع الهواتف الذكية ومنصات المحتوى القصير. لقد نشأ هذا المصطلح تحديدًا في مجتمعات الإنترنت لدى جيل زد وجيل ألفا، وانتشر بسرعة البرق عبر منصات مثل TikTok وReddit وDiscord، ليصبح جزءًا لا يتجزأ من اللغة اليومية للشباب. هذا الانتشار الواسع يعكس مدى عمق هذه الظاهرة وتأثيرها على طريقة تفكير وتفاعل هذه الأجيال مع العالم الرقمي والواقعي.

وفي عام 2024، اكتسب المصطلح اعترافًا أوسع عندما تم اختياره ضمن الكلمات التي تناولها معجم أكسفورد في قائمته السنوية، في إشارة واضحة إلى حضوره المتزايد في النقاشات الثقافية والاجتماعية العالمية. هذا الاعتراف من مؤسسة لغوية مرموقة يؤكد أن “تعفّن الدماغ” ليس مجرد تعبير عابر، بل هو مفهوم يعكس تحولًا حقيقيًا في أنماط الاستهلاك الرقمي وتأثيراته المحتملة على القدرات الإدراكية.

أهمية الظاهرة وتأثيراتها المتوقعة

تتجاوز أهمية فهم “تعفّن الدماغ” مجرد كونه مصطلحًا دارجًا؛ فهو يمثل جرس إنذار حول تحديات الصحة العقلية والإدراكية في العصر الرقمي. على الصعيد الفردي، يمكن أن يؤدي الإفراط في استهلاك المحتوى السريع إلى تراجع ملحوظ في القدرة على التركيز العميق، وصعوبة في معالجة المعلومات المعقدة، وحتى التأثير على الذاكرة قصيرة المدى. كما يمكن أن يسهم في زيادة مستويات القلق والاكتئاب، والشعور بالعزلة الاجتماعية، على الرغم من الاتصال الدائم عبر الشاشات. هذه التأثيرات لا تقتصر على الأفراد فحسب، بل تمتد لتشمل المجتمع ككل.

على المستوى المجتمعي، قد يؤثر “تعفّن الدماغ” على جودة التعليم، حيث يواجه الطلاب صعوبة في الانخراط في المهام الأكاديمية التي تتطلب تركيزًا طويلًا. كما يمكن أن يؤثر على الإنتاجية في بيئات العمل، وعلى جودة النقاش العام، حيث يميل الأفراد إلى استهلاك المعلومات السطحية بدلاً من التعمق في القضايا المعقدة. إن فهم هذه الظاهرة ووضع استراتيجيات للتعامل معها أصبح ضرورة ملحة لحماية صحة الأجيال الحالية والمستقبلية في عالم يزداد رقمية.

رؤى المختصين: تحليل الأسباب والحلول

في هذا السياق، ناقشت صحيفة «عكاظ» المفهوم مع عدد من المختصين في مجالات علم النفس وطب الأعصاب والاجتماع، الذين تناولوا أسبابه وتأثيراته المحتملة على الصحة الإدراكية والسلوك الرقمي، في ظل تزايد القلق من تأثير المحتوى السريع على التركيز والذاكرة والعادات الذهنية لدى الأجيال الشابة.

اتفق المختصون على أن “تعفّن الدماغ” ليس مرضًا عضويًا، لكنه جرس إنذار يشير إلى تراجع القدرة الذهنية والنفسية نتيجة الاستهلاك الرقمي غير المنضبط. وأكدوا أن الوقاية تبدأ من تنظيم الوقت، وتعزيز الأنشطة الواقعية، وتقليل المحتوى التافه، وممارسة اليقظة الذهنية، وإعادة بناء العلاقات الإنسانية، ونشر الوعي المجتمعي.

“جريمة عاطفية إلكترونية”: وجهة نظر المختص النفسي

جاءت البداية مع المختص النفسي عبدالله أحمد الوايلي، الذي وصف هذه الظاهرة بـ “الجريمة العاطفية الإلكترونية”، مبينًا أنها ناتجة عن ما يسميه «تأجير العقل بالنقل»، إذ يقضي الفرد ساعات طويلة أمام الإنترنت بحثًا عن محتوى فارغ وسلبي، مثل الألعاب الهابطة والمقاطع المتدنية التي لا تحمل أي قيمة معرفية أو تربوية.

ويشير الوايلي إلى أن المصطلح ظهر سابقًا تحت مسمى «تلف الدماغ» أو «تعفّن العقل»، ويُستخدم لوصف حالة نفسية يقضي فيها الفرد وقتًا طويلًا أمام الشاشات، مما يؤدي إلى تشتت الأفكار، والإرهاق النفسي والجسدي، والإجهاد الذهني الذي يعدّ الأخطر؛ لأن الدماغ هو مركز القيادة والتحكم في الإشارات العصبية.

ويؤكد الوايلي أن هذه الحالة ليست مرضًا عضويًا، بل تكيفًا نفسيًا ناتجًا عن الاستهلاك الرقمي المفرط، إذ تتأثر الإشارات العصبية بسبب الضغوط النفسية المزمنة أو الالتهابات، فيشعر المصاب بضعف الوعي، وانخفاض التركيز، وضبابية ذهنية واضحة. وتشمل أعراض “تعفّن الدماغ” كما يصفها الوايلي: تشتت الأفكار وتطايرها، الإرهاق النفسي والجسدي، الإرهاق الذهني الحاد، ضعف الوعي والتركيز، انخفاض القدرة على التفكير المنطقي، العزلة الاجتماعية، وتراجع الذاكرة قصيرة المدى.

ويحذّر الوايلي من أن الإفراط في استخدام الإنترنت يؤدي إلى زيادة إفراز الدوبامين، مما يجعل العلاقة بين الإنسان والشاشة علاقة طردية: كلما زاد التصفح، زادت المتعة اللحظية، ثم يتحول الأمر إلى اعتماد سلوكي يشبه الإدمان. ويضيف أن الأطفال والشباب هم الأكثر عرضة لهذه الظاهرة، إذ قد يعيق “تعفّن الدماغ” تطورهم النفسي والذهني والجسدي، ويحدّ من قدراتهم العقلية والمعرفية.

ويشدّد الوايلي على ضرورة الموازنة النفسية عبر: وضع جدول يومي يشمل الغذاء والنوم والرياضة، ممارسة الهوايات، متابعة الإنترنت وفق العقل والمنطق لا وفق العاطفة، ممارسة اليقظة الذهنية، تعزيز الأنشطة الاجتماعية والذهنية، وتقليل الهدر الوقتي أمام الشاشات. مؤكدًا أن الوقاية مسؤولية فردية ومجتمعية تتطلب تعاون المؤسسات التعليمية والإعلامية والإرشادية.

“تحدٍّ عصبي جديد”: منظور طب الأعصاب

من جانبه، يوضح استشاري مشارك في طب الأعصاب الدكتور محمد حمود، أن «تعفّن المخ» ليس تشخيصًا طبيًا، لكنه يعكس ظاهرة عصبية متنامية ترتبط بتراجع القدرة الذهنية والانتباه نتيجة الاستهلاك المفرط للمحتوى الرقمي السريع. ويشير إلى أن الظاهرة تنشأ من: التمرير المستمر للمحتوى القصير، الإدمان السلوكي للتطبيقات، التعرض المفرط للمثيرات السريعة، وضعف البدائل العقلية الصحية مثل القراءة والحوار الواقعي.

مشيراً إلى أن التأثيرات الطبية للظاهرة تتمثل في: تراجع التركيز والانتباه، صعوبة إنجاز المهمات الذهنية، اضطرابات النوم بسبب الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات، زيادة القلق والاكتئاب، والإرهاق الذهني وفقدان المتعة الطبيعية في الأنشطة اليومية.

ويؤكد أن الدراسات الحديثة تشير إلى تحسن المزاج عند تقليل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وأن الحل لا يكمن في الانقطاع الكامل عن التكنولوجيا، بل في إعادة ضبط العلاقة معها عبر: الديتوكس الرقمي، تخفيض ساعات الاستخدام تدريجيًا، إعادة تدريب الدماغ على التركيز من خلال مهام تتطلب انتباهًا طويلًا، تنظيم النوم والنشاط البدني، اختيار محتوى ذي قيمة، وطلب الدعم النفسي عند الحاجة. ويختتم استشاري طب الأعصاب الدكتور حمود بقوله: «نحن لا نخسر عقولنا فجأة، بل نفقدها تدريجيًا حين نستبدل العمق بالسطحية، والانتباه بالتشتت، والمعرفة بالضجيج».

“خمول ذهني وعاطفي”: الرؤية الاجتماعية

أخصائي أول اجتماعي عهود أبو عطالله، فتركّز على الجانب الاجتماعي والعاطفي للظاهرة، وتصفها بأنها خمول ذهني وعاطفي ناتج عن الإفراط في استهلاك السوشيال ميديا، ومتابعة المقاطع القصيرة، والأخبار السريعة، والمشاهير بلا هدف. وترى أن حماية الفرد اجتماعيًا تبدأ بإعادة العلاقات لقيمتها الحقيقية، والتركيز على جودة العلاقة لا كميتها، مؤكدة أن صديقًا واحدًا نتحدث معه بعمق أفضل من عشر محادثات سطحية.

واقترحت خطوات للحماية الاجتماعية تتمثّل في تقليل التمرير العشوائي، استبدال جزء من الوقت الرقمي بلقاءات واقعية، تدريب العقل على الحوار ومناقشة الأفكار لا الترندات، الانتباه للعزلة المقنّعة رغم الاتصال الدائم، ممارسة الحضور الذهني في اللقاءات، القراءة ومناقشة ما نقرأه مع الآخرين، وتعزيز العلاقات الإنسانية لأنها مصدر المعنى. مؤكدة أن «تعفّن المخ لا يأتي من قلة الذكاء، بل من كثرة الاستهلاك وقلة المعنى.. والمعنى غالبًا يوجد في علاقة إنسانية حقيقية».

الوقاية والمستقبل: نحو وعي رقمي أفضل

في الختام، يتضح أن ظاهرة “تعفّن الدماغ” تمثل تحديًا معاصرًا يتطلب وعيًا فرديًا ومجتمعيًا. إنها دعوة لإعادة تقييم علاقتنا بالتكنولوجيا والمحتوى الرقمي، والانتقال من الاستهلاك السلبي إلى التفاعل الواعي والمسؤول. من خلال تبني عادات رقمية صحية، وتعزيز الأنشطة الواقعية، والبحث عن المعنى في العلاقات الإنسانية والتجارب الحياتية، يمكننا حماية صحتنا الذهنية والعاطفية في هذا العالم المتصل. إن المستقبل يتطلب منا أن نكون مستخدمين أذكياء للتكنولوجيا، لا ضحايا لها، وأن نحافظ على عمق تفكيرنا وقدرتنا على التركيز في مواجهة سيول المعلومات السطحية.

spot_imgspot_img