أكد رئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو، التزام بلاده الراسخ ببنود اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA)، وهو ما يمثل حجر الزاوية في العلاقات الاقتصادية لأمريكا الشمالية. جاء هذا التصريح في سياق حساس، حيث تسعى كندا إلى الموازنة بين علاقاتها التجارية الحيوية مع الولايات المتحدة وطموحاتها في تنويع شراكاتها الاقتصادية العالمية، لا سيما مع الصين.
يأتي تأكيد ترودو رداً على تهديدات سابقة أطلقها الرئيس الأمريكي آنذاك، دونالد ترامب، بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على المنتجات الكندية إذا ما أبرمت أوتاوا اتفاقية تجارية واسعة النطاق مع الصين. هذه التهديدات تعكس التوترات التجارية الأوسع التي سادت خلال إدارة ترامب، والتي شهدت تصاعداً في النزاعات التجارية بين واشنطن وبكين، مما وضع دولاً مثل كندا في موقف صعب يتطلب الموازنة بين مصالحها الاقتصادية وعلاقاتها الدبلوماسية.
خلفية اتفاقية USMCA وأهميتها
تُعد اتفاقية USMCA، التي دخلت حيز التنفيذ في يوليو 2020، تحديثاً لاتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA) التي استمرت لعقود. وقد جاءت إعادة التفاوض على NAFTA بضغط من إدارة ترامب، التي اعتبرت الاتفاقية القديمة غير عادلة للولايات المتحدة. تمثل USMCA إطاراً حيوياً للتجارة والاستثمار بين الدول الثلاث، حيث تدعم سلاسل الإمداد المتكاملة وتؤثر بشكل مباشر على ملايين الوظائف والاقتصادات في أمريكا الشمالية. التزام كندا بهذه الاتفاقية ليس مجرد التزام قانوني، بل هو ضرورة اقتصادية للحفاظ على استقرار علاقاتها التجارية مع جارتها الكبرى، الولايات المتحدة.
التعاون الاقتصادي مع الصين ومخاوف واشنطن
انتقد الرئيس ترامب بشدة سعي كندا لتعزيز التعاون الاقتصادي مع بكين، معتبراً أن ذلك يمثل خطأً فادحاً. وتحديداً، أشار ترامب إلى اتفاق كندي حديث يسمح بزيادة واردات المركبات الكهربائية الصينية إلى السوق الكندية، وهو ما اعتبرته واشنطن تهديداً لمصالحها الصناعية والتجارية. تأتي هذه المخاوف في ظل سعي الولايات المتحدة لحماية صناعاتها المحلية، خاصة في قطاع التكنولوجيا المتقدمة والمركبات الكهربائية، من المنافسة الصينية المتزايدة.
من جانبه، نفى الوزير الكندي المكلف بالتجارة مع الولايات المتحدة، في حينه، أن تكون بلاده تسعى لعقد اتفاقية تجارة حرة شاملة مع الصين. وأوضح أن ما تم تحقيقه هو مجرد حل لعدد من القضايا المهمة المتعلقة بالتعريفات الجمركية وتسهيل بعض التبادلات التجارية، وليس اتفاقاً تجارياً واسع النطاق يمكن أن يتعارض مع التزامات كندا تجاه USMCA أو يثير قلق واشنطن بشكل كبير. هذا التوضيح يهدف إلى تهدئة التوترات وتأكيد أن كندا لا تتجاوز الخطوط الحمراء التي قد تؤثر سلباً على علاقاتها مع الولايات المتحدة.
التأثيرات المحتملة والتحديات الجيوسياسية
إن التهديد بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على كندا كان سيمثل ضربة قاسية للاقتصاد الكندي، الذي يعتمد بشكل كبير على التجارة مع الولايات المتحدة. مثل هذه الرسوم يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية، وتقويض القدرة التنافسية للشركات الكندية، وربما فقدان الوظائف في قطاعات حيوية مثل السيارات والزراعة. كما أن هذا الموقف يسلط الضوء على التحدي الجيوسياسي الذي تواجهه كندا في الموازنة بين علاقاتها مع القوتين الاقتصاديتين العظميين، الولايات المتحدة والصين. فبينما تسعى كندا لتنويع أسواقها وتقليل اعتمادها على سوق واحدة، فإنها في الوقت نفسه لا تستطيع التضحية بعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
تؤكد هذه التطورات على الطبيعة المعقدة للتجارة الدولية في العصر الحديث، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات السياسية والأمنية. التزام كندا باتفاقية USMCA، مع سعيها الحذر لتوسيع آفاقها التجارية، يعكس استراتيجية تهدف إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي مع الحفاظ على مكانتها كشريك موثوق به في الساحة الدولية.


