spot_img

ذات صلة

أسباب مشاجرات رمضان قبل الإفطار وعقوباتها القانونية

أزمة السير والمشاحنات في رمضان

مع اقتراب ساعات العصر في شهر رمضان المبارك، تبدأ الأجواء الروحانية التي تميز هذا الشهر الفضيل في التلاشي تدريجيًا لدى البعض، لتحل محلها حالة من التوتر والترقب كلما اقترب موعد أذان المغرب. ففي الدقائق الأخيرة التي تسبق الإفطار، ترتفع وتيرة الانفعالات بشكل ملحوظ، وتتحول الشوارع والأسواق إلى ساحات اختبار حقيقي لقدرة الصائم على ضبط النفس، حيث يمكن لموقف بسيط أو احتكاك مروري عابر أن يتطور إلى مشادات كلامية حادة أو اشتباكات بالأيدي.

السياق العام: لماذا يتغير السلوك البشري في نهار رمضان؟

تُعد ظاهرة "التوتر الرمضاني" أو ما يُعرف شعبيًا بـ"أخلاق الصائمين" ظاهرة موسمية تتكرر سنويًا في العديد من المجتمعات، وهي لا ترتبط بالجوع والعطش فحسب، بل تمتد لتشمل تغيرات جذرية في النمط اليومي. فمن الناحية البيولوجية، يؤدي التغير المفاجئ في مواعيد النوم والاستيقاظ، واضطراب الساعة البيولوجية، إلى حالة من الإرهاق الذهني والجسدي. يُضاف إلى ذلك الانقطاع المفاجئ عن المنبهات كالكافيين والنيكوتين للمعتادين عليها، مما يولد أعراضًا انسحابية تظهر على شكل عصبية مفرطة وسرعة في الاستثارة، خاصة في الساعات الأخيرة من النهار.

ويشير المختصون إلى أن هذه العوامل الجسدية والنفسية تتضافر مع الضغوط الخارجية، مثل الازدحام المروري الخانق وتسابق الجميع للوصول إلى منازلهم قبل الأذان، لتخلق بيئة خصبة للمشاحنات. وتؤكد الإحصاءات المرورية والأمنية في عدة دول ارتفاع معدلات الحوادث والمشاجرات في الساعة الأخيرة قبل الإفطار، مما يجعلها "ساعة الذروة" للخلافات.

التفسير الطبي: ماذا يحدث داخل جسم الغاضب؟

من الناحية الطبية، أوضح استشاري الطب النفسي الدكتور جمال الطويرقي، أن هناك تباينًا كبيرًا في استجابة الأشخاص للصيام؛ فبينما يحافظ البعض على هدوئهم وتسامحهم، يفقد آخرون السيطرة على انفعالاتهم. وأشار إلى أن نوبات الغضب تؤدي إلى تدفق هائل لهرمون الأدرينالين في الدم، قد يصل إلى 20 أو 30 ضعف المعدل الطبيعي. هذا الارتفاع المفاجئ يشكل خطرًا داهمًا على الصحة، وقد يتسبب في نوبات قلبية حادة أو حتى الوفاة المفاجئة، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من مشاكل صحية كامنة.

وأضاف الطويرقي أن انخفاض مستوى الجلوكوز (السكر) في الدم يُعد محفزًا رئيسيًا لتقلب المزاج وضعف التركيز، مما يجعل الصائم أكثر عرضة للاستفزاز. ولتجنب هذه المخاطر، نصح بضرورة إدارة الوقت بشكل جيد، وتجنب الخروج في أوقات الذروة، أو إنجاز المهام الضرورية في وقت مبكر من النهار لتفادي الاحتكاك المباشر في لحظات التوتر القصوى.

المنظور الشرعي والاجتماعي: الصيام مدرسة للصبر

على الصعيد الديني والاجتماعي، شدد أستاذ الدعوة والإصلاح الدكتور محمد بشير حداد، على أن اتخاذ الصيام ذريعة للعصبية هو فهم خاطئ لمقاصد الشهر الكريم. فالصيام ليس مجرد امتناع عن المفطرات الحسية، بل هو تدريب عملي للنفس والجوارح على الكف عن الأذى وضبط الغرائز. وأكد أن الانجرار وراء الغضب والمشاجرات يخدش روحانية الصيام وقد يذهب بأجره، داعيًا إلى استثمار هذا الشهر لتعزيز قيم التسامح والعفو، واللجوء إلى الطرق النظامية والقانونية لاسترداد الحقوق بدلًا من العنف الذي لا يورث إلا الندم.

العواقب القانونية: متى يتحول الخلاف إلى جناية؟

من الناحية القانونية، حذرت المحامية والمستشارة القانونية نجود القاسم من أن التهور في لحظات الغضب قد يقود إلى عواقب وخيمة. وأوضحت أن العقوبات المترتبة على المشاجرات تتفاوت بناءً على جسامة الضرر ونوع الاعتداء. فاستخدام الأسلحة (البيضاء أو النارية) أو إحداث عاهة مستديمة يغلظ العقوبة بشكل كبير.

وبيّنت القاسم نقطة جوهرية تتعلق بمدة الشفاء؛ فإذا تجاوزت مدة شفاء المجني عليه 15 يومًا، تتحول القضية من مجرد جنحة بسيطة إلى جناية موجبة للتوقيف، مما يغير مسار القضية بالكامل. وتخضع العقوبات للسلطة التقديرية للقاضي، والتي قد تشمل السجن، الجلد، والغرامات المالية، خاصة إذا اقترن الفعل بترويع الآمنين أو الإخلال بالنظام العام. ونبهت إلى أن بعض المشاجرات قد تنتهي بكوارث غير مقصودة، مثل القتل شبه العمد، نتيجة ضربة طائشة في لحظة غضب، مما يضع الجاني تحت طائلة أحكام مشددة تنهي مستقبله بسبب لحظة انفعال عابرة.

spot_imgspot_img