تحديد أولويات السياسة النقدية في مصر
في تصريح هام يحدد ملامح السياسة النقدية لمصر، أكد محافظ البنك المركزي المصري، حسن عبد الله، أن المسؤولية الأساسية للبنك لا تكمن في تحديد قوة العملة أو سعر صرفها، بل في وضع إطار تنظيمي ورسم سياسات نقدية تهدف إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، وعلى رأس أولوياتها السيطرة على معدلات التضخم. جاءت هذه التصريحات خلال مشاركته في النسخة الثانية من مؤتمر “العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026″، لترسم خطاً واضحاً بين دور البنك في كبح جماح الأسعار ودور قوى السوق في تحديد قيمة الجنيه المصري.
السياق التاريخي والتحولات الاقتصادية الأخيرة
تأتي هذه التوضيحات في أعقاب مرحلة مليئة بالتحديات للاقتصاد المصري. على مدى السنوات الماضية، واجهت مصر ضغوطاً متزايدة على مواردها من العملة الأجنبية، تفاقمت بسبب صدمات خارجية مثل جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، مما أثر سلباً على قطاعات حيوية كالسياحة وعائدات قناة السويس، ورفع تكلفة استيراد السلع الأساسية. أدت هذه الضغوط إلى ظهور سوق موازية (سوداء) للعملة، وفرضت تحديات استثنائية على الأداء الاقتصادي، بما في ذلك تراجع التصنيف الائتماني لمصر من قبل وكالات التصنيف العالمية.
شكل شهر مارس 2024 نقطة تحول محورية، حيث اتخذ البنك المركزي قراراً استراتيجياً بتحرير سعر صرف الجنيه بشكل كامل، ليعكس قوى العرض والطلب الحقيقية في السوق، وهو ما صاحبه رفع كبير في أسعار الفائدة لكبح التضخم المتوقع. هذا التحول الجذري في السياسة النقدية، والذي جاء بعد تأمين تدفقات نقدية ضخمة أبرزها صفقة “رأس الحكمة” الاستثمارية مع الإمارات، استهدف القضاء على السوق الموازية وتوحيد سعر الصرف، وهو ما يتماشى مع متطلبات برنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي.
أهمية استهداف التضخم وتأثيره المتوقع
شدد عبد الله على أن التركيز على كبح التضخم بدلاً من الدفاع عن سعر صرف معين يعزز من كفاءة السياسات الاقتصادية على المدى المتوسط والطويل. فاستقرار الأسعار يوفر بيئة يمكن التنبؤ بها للمستثمرين والمستهلكين على حد سواء، ويحمي القوة الشرائية للمواطنين، ويشجع على الادخار والاستثمار المحلي. وأشار إلى أن تراجع معدلات التضخم الذي شهدته مصر مؤخراً قد أسهم بالفعل في رفع مستويات الثقة بالاقتصاد المصري.
على الصعيد المحلي، يهدف هذا التوجه إلى معالجة الاختلالات الهيكلية التي عانى منها الاقتصاد، وتعزيز دور القطاع الخاص كمحرك للنمو. أما على الصعيد الدولي، فإن تبني سياسة نقدية أكثر مرونة وشفافية يعزز من مصداقية مصر لدى المؤسسات المالية الدولية والمستثمرين الأجانب، مما يفتح الباب أمام جذب المزيد من الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة، ويحسن من النظرة المستقبلية للاقتصاد. وأضاف المحافظ أن المؤشرات الأولية، مثل تحسن إيرادات قناة السويس، تعكس بداية التعافي وتطوراً إيجابياً في بنية الاقتصاد المصري، مؤكداً أن مصر تمتلك الإمكانيات اللازمة لتحقيق النمو المستدام ومواجهة التحديات المستقبلية بمرونة أكبر.


