spot_img

ذات صلة

استقلالية البنوك المركزية: تحديات عالمية وتداعيات اقتصادية

تواجه البنوك المركزية حول العالم تحديات غير مسبوقة تهدد استقلاليتها، وهو ما وصفته صحيفة The Economist بأنه “سكتة قلبية سياسية واقتصادية”. ففي ظل تصاعد الضغوط من السياسيين للسيطرة على أدوات السياسة النقدية، يبرز تساؤل جوهري حول قدرة هذه المؤسسات الحيوية على الحفاظ على حيادها ودورها الأساسي في تحقيق الاستقرار الاقتصادي.

لماذا استقلالية البنوك المركزية ضرورية؟

تاريخياً، أثبتت التجارب الاقتصادية أن استقلالية البنوك المركزية هي حجر الزاوية لتحقيق الاستقرار النقدي والمالي. فبعد عقود من التضخم المرتفع وعدم الاستقرار الاقتصادي في منتصف القرن العشرين، أجمع الاقتصاديون وصناع السياسات على أن فصل السياسة النقدية عن التأثيرات السياسية قصيرة المدى أمر بالغ الأهمية. يهدف هذا الفصل إلى حماية البنوك المركزية من إغراءات الحكومات بتمويل العجز المالي عن طريق طباعة النقود أو إبقاء أسعار الفائدة منخفضة بشكل مصطنع لتحقيق مكاسب انتخابية سريعة، وهي ممارسات تؤدي حتماً إلى تضخم جامح وتآكل القوة الشرائية للعملة. تكمن مهمة البنك المركزي المستقل في التركيز على أهداف طويلة الأجل مثل استقرار الأسعار والحفاظ على قيمة العملة، بعيداً عن تقلبات الدورات السياسية.

تجاذبات عالمية تهدد الحياد

التهديد لاستقلالية البنوك المركزية ليس ظاهرة محلية بل يمتد ليشمل أسواقاً عالمية رئيسية. ففي الولايات المتحدة، كشف رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول عن تلقي البنك استدعاءات من وزارة العدل للتحقيق في تكاليف تجديد مقره. يرى مراقبون أن هذا التحقيق قد يكون محاولة للتأثير على قرارات الفائدة قبيل تغييرات قيادية مرتقبة، حيث من المقرر أن يعين الرئيس دونالد ترمب بديلاً لباول في مايو 2026، مما يثير مخاوف بشأن تسييس محتمل لأهم مؤسسة نقدية في العالم.

وفي اليابان، وصفت رئيسة الوزراء رفع الفائدة بالقرار “الغبي”، مشددة على ضرورة أن تخدم السياسة المالية ديون الدولة الضخمة التي تجاوزت 130% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا التصريح يعكس رغبة واضحة في توجيه السياسة النقدية لخدمة أهداف مالية حكومية، حتى لو كان ذلك يتعارض مع مبادئ استقلالية البنك المركزي.

أما في إندونيسيا، فقد بدأت الحكومة بالفعل في استخدام ميزانية البنك المركزي لتمويل مشاريع سكنية، ضمن مخطط لتقاسم أعباء الديون. هذه الخطوة تمثل سابقة خطيرة قد تفتح الباب أمام استغلال موارد البنوك المركزية لأغراض غير نقدية.

وفي أوروبا، يطالب بعض السياسيين الشعبويين بفرض ضرائب إجبارية على احتياطيات البنوك المركزية لسد العجز المتزايد في الميزانيات الوطنية. مثل هذه المطالبات، إن تحققت، ستقوض بشكل مباشر قدرة البنوك المركزية على إدارة السيولة والاحتياطيات بكفاءة، مما يعرض استقرار النظام المالي للخطر.

تداعيات فقدان الاستقلالية: مطرقة الأسعار وسندان السياسات

إن الضغط السياسي المستمر على البنوك المركزية، والذي قد يؤدي إلى فقدان استقلاليتها، يحمل في طياته تداعيات وخيمة على الاقتصاد والمواطنين على حد سواء. يؤكد التاريخ الاقتصادي أن تسييس السياسة النقدية عادة ما يؤدي إلى تضخم مرتفع، وتآكل القوة الشرائية للعملة، وفقدان الثقة في النظام المالي. عندما تفقد البنوك المركزية قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة بناءً على المعطيات الاقتصادية البحتة، تصبح عرضة للتقلبات السياسية قصيرة المدى، مما يؤثر سلباً على قرارات الاستثمار والادخار.

على الصعيد المحلي، يجد المواطن نفسه في مواجهة “مطرقة الأسعار” المرتفعة و”سندان السياسات الانتخابية” التي قد تضحي بالاستقرار الاقتصادي من أجل مكاسب سياسية آنية. هذا الوضع يؤثر بشكل مباشر على مستوى معيشة الأفراد، ويقلل من قدرتهم على التخطيط للمستقبل، ويزيد من حالة عدم اليقين الاقتصادي. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن فقدان استقلالية البنوك المركزية في الاقتصادات الكبرى يمكن أن يزعزع استقرار الأسواق المالية العالمية، ويؤثر على تدفقات رأس المال، وربما يؤدي إلى حروب عملات أو تباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي.

في ظل هذه التجاذبات، يبقى السؤال الأبرز مطروحاً بقوة: هل ستتمكن البنوك المركزية من مقاومة هذه الضغوط المتزايدة والحفاظ على استقلاليتها، أم أننا نشهد بداية حقبة جديدة تتراجع فيها هذه المؤسسات عن دورها الحيادي لتصبح أداة في أيدي السياسيين، مما يهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي؟ إن الإجابة على هذا السؤال ستحمل تداعيات عميقة على مستقبل الاقتصاد العالمي.

spot_imgspot_img