شهدت الساحة الدبلوماسية الدولية تطوراً مفاجئاً ومثيراً للجدل، حيث أعلن رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، عن سحب مشروع قانون كان يهدف إلى تسليم جزر «شاغوس» الاستراتيجية إلى دولة موريشيوس. جاء هذا التراجع الدراماتيكي في أعقاب هجوم عنيف وغير متوقع من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ما كشف عن أزمة دبلوماسية عميقة بين لندن وواشنطن، وأثار تساؤلات حول مستقبل العلاقات بين الحليفين التاريخيين.
وصفت صحيفة «ذا تلغراف» البريطانية هذا التراجع المفاجئ بأنه مؤشر على أزمة دبلوماسية متفاقمة، خاصة وأن التشريع كان من المقرر أن يناقشه مجلس اللوردات البريطاني قريباً. إلا أن الحكومة البريطانية قررت تجميد المشروع بشكل عاجل بعد تلقيها تحذيرات قانونية وسياسية صارمة، مفادها أن الصفقة المقترحة قد تنتهك معاهدة حيوية مبرمة عام 1966 بين لندن وواشنطن. هذه المعاهدة التاريخية تكرس السيادة البريطانية المطلقة على الأرخبيل، بهدف ضمان استخدامه للأغراض الدفاعية المشتركة، وفي مقدمتها قاعدة «دييغو غارسيا» العسكرية، التي تعد ركيزة أساسية للاستراتيجية الأمنية للولايات المتحدة والمملكة المتحدة في المحيط الهندي.
الخلفية التاريخية والجدل حول جزر شاغوس
تعد جزر شاغوس أرخبيلاً يقع في المحيط الهندي، وقد ظلت جزءاً من الإمبراطورية البريطانية لقرون. في عام 1965، وقبل ثلاث سنوات فقط من حصول موريشيوس على استقلالها عن بريطانيا، قامت لندن بفصل أرخبيل شاغوس عنها، لتشكيل ما يعرف اليوم بالإقليم البريطاني في المحيط الهندي (BIOT). كان الهدف المعلن من هذا الفصل هو تمكين الولايات المتحدة من إنشاء قاعدة عسكرية ضخمة في جزيرة دييغو غارسيا، أكبر جزر الأرخبيل. هذا القرار أدى إلى تهجير قسري لمئات من سكان شاغوس الأصليين، المعروفين باسم “الإيلوا”، الذين تم نقلهم إلى موريشيوس والمملكة المتحدة، في انتهاك صارخ لحقوق الإنسان، وهو ما لا يزال يمثل قضية إنسانية وقانونية معلقة حتى اليوم.
على مر العقود، طالبت موريشيوس باستمرار باستعادة سيادتها على جزر شاغوس، معتبرة أن فصلها كان غير قانوني ويشكل انتهاكاً لسلامة أراضيها. وقد حظي موقف موريشيوس بدعم دولي متزايد، حيث أصدرت محكمة العدل الدولية (ICJ) في عام 2019 رأياً استشارياً غير ملزم، أكدت فيه أن فصل جزر شاغوس عن موريشيوس كان غير قانوني، وأن المملكة المتحدة ملزمة بإنهاء إدارتها للأرخبيل في أقرب وقت ممكن. تبع ذلك قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة، يدعو بريطانيا إلى تسليم الجزر لموريشيوس، ما وضع لندن في موقف دبلوماسي صعب ومعزول.
التدخل الأمريكي والمخاوف الجيوسياسية
دخل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على خط الأزمة بقوة، واصفاً خطة بريطانيا للتخلي عن الجزر بأنها “عمل يتسم بغباء شديد”. ويرى مراقبون أن موقف ترامب الحازم نابع من مخاوف أمنية عميقة تتعلق بالنفوذ المتزايد للصين في المحيط الهندي. فموريشيوس تعتبر حليفاً مقرباً لبكين، وتشارك في مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، ما يثير قلق واشنطن من أن السيادة الموريشيوسية على الجزر قد تفتح الباب أمام نفوذ صيني محتمل يهدد أمن القاعدة العسكرية الأمريكية-البريطانية المشتركة في دييغو غارسيا. هذه القاعدة لا غنى عنها للعمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، وتوفر منصة حيوية للاستخبارات واللوجستيات والانتشار السريع للقوات.
لم تقتصر الأزمة على الجانب القانوني والجيوسياسي، بل امتدت لتشمل تلاسناً علنياً بين ستارمر وترامب، ما زاد من حدة التوتر بين البلدين. فقد انتقد ستارمر محاولات الرئيس الأمريكي السابقة للسيطرة على غرينلاند، ورد ترامب بانتقادات لاذعة لدور القوات البريطانية السابق في أفغانستان، ما فاقم الأزمة الدبلوماسية. وفي هذا السياق، هاجمت المعارضة البريطانية، بقيادة كيمي بادينوك، الحكومة، معتبرةً أن ما وصفته بـ«الاستسلام المخزي» لستارمر قد يضع بريطانيا في مواجهة قانونية وأمنية مع أقوى حلفائها، ويضر بمكانتها الدولية.
تداعيات القرار ومستقبل الأرخبيل
رغم إعلان الحكومة البريطانية أن الصفقة المقترحة كانت تضمن بقاء قاعدة «دييغو غارسيا» تحت الإدارة البريطانية-الأمريكية بنظام الاستئجار طويل الأمد، إلا أن الإدارة الأمريكية بدت غير مقتنعة بهذه الضمانات في ظل السيادة الجديدة المحتملة لموريشيوس على الجزيرة. هذا التراجع البريطاني يعكس الضغوط الهائلة التي تواجهها لندن، ليس فقط من حليفتها الرئيسية واشنطن، بل أيضاً من التزاماتها الدولية والتحديات الجيوسياسية المتغيرة في المحيط الهندي.
إن مستقبل جزر شاغوس لا يزال غامضاً، حيث يضع هذا التطور الاتفاقية المحتملة في مهب الريح. القضية تتجاوز مجرد نزاع على السيادة، لتشمل قضايا أوسع تتعلق بالعدالة التاريخية لسكان شاغوس الأصليين، ومستقبل القواعد العسكرية الأجنبية في مناطق ما بعد الاستعمار، وتوازن القوى في منطقة المحيط الهندي-الهادئ التي تشهد تنافساً متزايداً بين القوى الكبرى. يبقى السؤال مفتوحاً حول كيفية تمكن بريطانيا من الموازنة بين علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والتزاماتها الأخلاقية والقانونية تجاه موريشيوس وسكان شاغوس، في ظل مشهد جيوسياسي عالمي معقد.


