spot_img

ذات صلة

استقلالية المثقف العربي: تحديات وآفاق في المشهد الثقافي

لطالما كانت استقلالية المثقف العربي قضية محورية وشائكة، تتأرجح بين الرغبة في التحرر الفكري والرهبة من التبعات. ففي حين يتغنى البعض من المثقفين العرب بالاستقلالية الثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية، التي لا يجدون لها محلاً ولا حقيقة إلا في الادعاءات، يجد آخرون أنفسهم مجبرين على الاستجابة لسلطة النخب أو الجماهير، أو الانصياع للمكونات الصغرى على حساب الدولة. هذه الجدلية ليست وليدة اليوم، بل هي متجذرة في تاريخ المنطقة وتحدياتها المعاصرة، مما يجعل تحقيق استقلالية حقيقية مهمة صعبة ومعقدة.

جذور التحدي: سياقات تاريخية واجتماعية

لم يكن دور المثقف في العالم العربي بمعزل عن التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة. فمنذ عصور النهضة الأولى في القرنين التاسع عشر والعشرين، وحتى مرحلة ما بعد الاستقلال وبناء الدول الحديثة، كان المثقف غالبًا ما يجد نفسه في مفترق طرق بين الدعوة إلى التغيير والإصلاح، وبين الحاجة إلى التكيف مع الأنظمة السياسية القائمة. في كثير من الأحيان، تم استقطاب المثقفين أو تهميشهم، مما أثر على قدرتهم على ممارسة دور نقدي مستقل. لقد أدت هذه السياقات التاريخية، التي غالبًا ما اتسمت بالاستبداد السياسي والاضطرابات الاجتماعية، إلى تشكيل وعي المثقف وتحديد هامش حركته، مما جعل مفهوم الاستقلالية الفكرية تحديًا مستمرًا.

يذهب المفكر الدكتور محمد الرميحي إلى أن المثقف ليس كائنًا معزولًا عن بيئته، بل هو نتاج مجتمع وثقافة وتاريخ. يتأثر بلغته، وبما يقرأ، وبمن يلتقي، وبما يمر به من تجارب. لافتًا إلى أن فكرة الحياد الكامل تبدو أقرب إلى المثال النظري منها إلى الواقع العملي. ويضيف الرميحي: “بالطبع هذا لا يعني استحالة الاستقلال، بل يعني أن الاستقلال نسبي ويحتاج جهدًا واعيًا”. ويرى أن استقلال المثقف يبدأ من وعيه بتحيزاته قبل أن يدعي تجاوزها، ومن قدرته على مساءلة أفكاره لا الدفاع عنها فقط، ويرتبط بامتلاكه أدوات المعرفة، لا الاكتفاء بتكرار ما يقال حوله. موضحًا أن المثقف المستقل لا ينعزل عن مجتمعه، ولا يذوب فيه، بل يحافظ على مسافة نقدية، تسمح له بالرؤية دون قطيعة، ولا يجعل من الانتماء عائقًا أمام الحقيقة.

المثقف بين الانتماء والنقد: معادلة صعبة

في خضم التحديات الإقليمية والدولية، تبرز أهمية استقلالية المثقف العربي كضرورة حتمية لتعزيز التفكير النقدي وتطوير المجتمعات. فالمثقف المستقل هو القادر على تقديم رؤى موضوعية، بعيدًا عن التجاذبات السياسية أو الطائفية، مما يسهم في بناء جسور الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع. يدعو الباحث الفلسفي محمد محفوظ إلى تجديد وتفعيل العلاقة وبناء أواصر الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، كإحدى الضرورات القصوى التي تجنب الواقع العربي الكثير من السلبيات والسيئات. ودعا المجتمعات العربية المتنوعة إلى الخروج من عناوينهم الخاصة، إلى رحاب الوحدة الوطنية والمواطنة الجامعة. وذهب محفوظ إلى أن وحدة الأوطان العربية اليوم مرهونة، بتبني مبادرات فعالة وشجاعة، تستهدف معالجة بعض مشاكل الحياة العربية وتعزيز أواصر العلاقة بين الدولة والشعب. مؤكدًا أن الدعوة إلى التشبث بخيار الدولة، والعمل على حماية فكرتها في المجتمع العربي المعاصر، لا يعني تدمير القبائل أو المذاهب أو الأديان والطوائف، بل تدعو إلى احترام التنوع الذي تعيشه كل المجتمعات العربية، إلا أنه الاحترام الذي يعزز خيار الاندماج والوحدة.

إن هذا التوازن الدقيق بين الانتماء الوطني والقدرة على النقد البناء هو جوهر الاستقلالية الحقيقية. فالمثقف ليس معاديًا لمجتمعه أو دولته، بل هو ضميرها الحي الذي يسعى لتقويم مسارها نحو الأفضل. وعندما يتشبث كل طرف بعنوانه الخاص، ويضحي بحاضن وجامع الجميع، فإنه يفتح الطريق لفتن وحروب لا تنتهي بين جميع هذه المكونات، وتطلع إلى الإعلاء من قيمة المواطنة؛ بوصفها العنوان والحقيقة القانونية والدستورية التي تنظم منظومة الحقوق والواجبات. مضيفًا أن الأوطان لا تحمى بتنمية النزاعات الطائفية أو أنظمة المحاصصة المذهبية، والقبلية والحزبية والشعارات السياسية الجوفاء.

ثمن الحرية: التضحيات المطلوبة للاستقلالية الحقيقية

إن استقلالية المثقف العربي ليست مجرد شعار، بل هي ممارسة يومية وخيار أخلاقي له كلفته. يوضح الرميحي أن الاستقلال له كلفة، كونه يضع صاحبه خارج التيارات السائدة، وربما يحرمه من القبول السريع أو الشعبية السهلة، إلا أن قيمته تكمن في قدرته على قول ما يجب قوله، لا ما يراد سماعه. ويضيف: “الاستقلالية ليست حالة ثابتة، بل ممارسة يومية، وخيار أخلاقي قبل أن تكون موقفًا فكريًا”. يتساءل الشاعر فارس خضر: كيف يكون المثقف مستقلًا في واقعنا العربي، وهو يسير مثل لاعب السيرك على حبل مشدود، منتظرًا – مع أية هفوة – أن يسقط على رقبته..؟! ويرى خضر أنه متى أردنا معرفة حجم استقلالية المثقف العربي، فعلينا أن نحصي عدد السير الذاتية، المكتوبة بدرجة عالية من الصدق والتجرد، والقادرة على مساءلة النفس ومراجعتها، وعلى محاكمة الواقع الاجتماعي والسياسي وإدانته، وكم سيرة ذاتية ملهمة كتبها مثقفون، فكوا خلالها الأغلال عن أفكارهم المكبوتة، وجعلونا نعيد ترتيب الحياة من جديد.. كم..؟! ويعد مصطلح الاستقلال مرادفًا للحرية، فلا استقلال إلا بها. مضيفًا: “فلطالما تخلى المثقف طواعية عن استقلاله، وانتمى إلى حزب أو جماعة أو نقابة أو قبيلة أو طائفة أو شلة، لا لشيء سوى أن يوفر لنفسه بعض الحماية”.

هذا الانتماء، المفترض أنه يوفر الحماية، غالبًا ما يحد من قدرة المثقف على النقد الحر، ويجعله أسيرًا لأجندات قد تتعارض مع مبادئه. مفترضًا أنه بهذا الانتماء يجعل وسائل البطش أقل فتكًا. مشيرًا إلى ما يتعاظم في داخل المثقف من الكوابح الداخلية، والمخاوف المشروعة، بل الرعب الذي يجعل طموحه في التعبير عن آرائه يتراجع تدريجيًا. وينفي أن المثقف جبان، لأنه يرى مآلات الحالمين، الذين في لحظة صدق تجردوا من حذرهم، وقالوا كلمتهم، ضاربين عرض الحائط بكل التابوهات التي حالت دون استقلاليتهم.

آفاق المستقبل: نحو دور أكثر فاعلية للمثقف العربي

تذهب الكاتبة سلمى المنفي إلى أن المثقف يتمتع بفكر ناقد، وله زاويته الخاصة التي ينظر من خلالها للأمور بشكل مختلف، وإن كان فردًا من المجتمع، يعيش آلامهم ويطلع إلى تحقيق آمالهم ولا يتصنع اهتمامًا، قدر ما هي مسؤولية أخلاقية. مؤكدة أن المثقف يتأثر بغيره من البشر، وبالبيئة المحيطة التي احتضنت أفكاره، بداية من الأب والأم، مرورًا بالمدرسة والقرية والقبيلة والمنطقة والوظيفة، وصولًا إلى العالم الأكبر. وترى أنه يصعب عليه التمرد على هذه الانتماءات التي دخلت مختارًا أو مكرهًا تحت عباءتها. لافتة إلى أن المثقف الذي لا يسهم في انتشال المجتمع من الطائفية والتعصب والخرافة، ليس مثقفًا إلا بالادعاء. وتضيف: “يدعي البعض من المثقفين الاستقلالية إلا أنه يرسب ويسقط في أول امتحان؛ كونه يواجه جبالًا من المغريات؛ من المال والمناصب والصورة الاجتماعية، فيبدأ الانزلاق الصامت”. وتضيف: “المثقف شأنه شأن غيره في توفير الذرائع والمبررات”. وتتساءلت: هل كان المثقف في يوم من الأيام مستقلًا حقًا؟ وهل بإمكانه دون أن يتكبد المشاق، ويدفع ضريبة باهظة؟

يؤكد عراب الحداثة السعودية الدكتور عبدالله الغذامي أن المثقف كائن بشري مثله مثل سائر البشر، ومن طبع البشر أن يدعوا لأنفسهم صفات حميدة يتزينون ويتواصون بها. وقال الغذامي: “إننا نعلم يقينًا أننا حين الامتحان لا نصمد لدعاوى أو ادعاءات، من أخطرها دعوى الاستقلال والحياد، وكلنا ندعيها وهذا ما أربكني حين قررت وضع تعريف لي في حسابي في تويتر، إذ استخدمت عبارة «سموا أنفسكم مستقلين»، وهذه جملة تحدثني كثيرًا لحظة تكوينها في ذهني، وفي البداية كتبت «كونوا مستقلين» إلخ، إلا أنني تراجعت وحذفتها؛ لأن التعبير هنا سيكون أمرًا وتوجيهًا من جهة، وسيكون افتراضًا متعاليًا عن قدرتنا، وأننا نستطيع أن نكون كما نريد من جهة أخرى، وهذا تصور غير واقعي”. وأوضح صاحب حكاية الحداثة أنه ذهب إلى القول «سموا أنفسكم مستقلين»؛ كون تسمية أنفسنا بصفة ما، أمر معتاد، إذ من السهل أن يسمي المرء نفسه أو ولده بحاتم أو كريم ويدرك إدراكًا تامًا أن الناس لن يأخذوا ذلك مأخذ الجد، ولن يتعاملوا معه بشرط الكرم ولا الحاتمية، وكذلك الحال مع كلمة مستقلين. لافتًا إلى أنه من السهل أن نزعم الاستقلالية صفة لنا؛ لأننا لن نقول أبدًا إننا منحازون وخاضعون لشروط الرغبة والرهبة. ويرى أن لسؤالنا وجهًا، من حيث إن المثقف معروف عنه عشق الصفات والتوشح بها ادعاءً ومكابرةً، في حين يتواضع العامي، وتخف عنده جرعة الغرور. وعزا سر دعاوى المثقفين إلى كونهم يظن بهم أن يكونوا مستقلين ومحايدين وحاملي شعلة التنوير، ومن ثم أصبح ادعاء هذه الصفات بمقام الشرط الثقافي. مضيفًا: “قليل من يتواضع مع هذه الصفات، إلا أن الواقع يشهد بغير ذلك ولا شك”. وزاد: “ربما نعرف بالمثقف الشخص، فنقول إن الثقافة لا تريد منه التواضع، وهذه لعبة ماكرة توقعنا في حبائلها”.

إن تحقيق استقلالية حقيقية للمثقف العربي يتطلب بيئة داعمة للحريات، ومجتمعات تقدر التفكير النقدي، وأنظمة سياسية تحترم التنوع الفكري. هو ليس طريقًا سهلًا، ولكنه السبيل الوحيد نحو نهضة فكرية وثقافية حقيقية تخدم قضايا الأمة وتطلعاتها نحو مستقبل أفضل.

spot_imgspot_img