الصين تتهم أمريكا بتأجيج اختلال الميزان التجاري العالمي وسط فائض قياسي وتوترات متصاعدة
في خطوة تعكس عمق التوترات الاقتصادية العالمية، حمّلت الصين الولايات المتحدة الأمريكية صراحةً مسؤولية تفاقم اختلال الميزان التجاري العالمي. يأتي هذا الاتهام في وقت سجل فيه ثاني أكبر اقتصاد في العالم فائضاً تجارياً قياسياً بلغ 1.2 تريليون دولار أمريكي لعام 2025، وهو رقم يعكس قوة الصادرات الصينية المتنامية رغم سنوات من الحرب التجارية التي شنها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.
خلفية تاريخية: جذور الخلاف التجاري وتصاعد التوترات
تتجاوز جذور الخلاف التجاري بين القوتين الاقتصاديتين العظميين مجرد الأرقام الحالية، لتمتد إلى عقود من التنافس الاقتصادي. فمنذ انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية (WTO) في عام 2001، شهدت البلاد تحولاً هائلاً لتصبح “مصنع العالم”، مدفوعة بقدرتها التنافسية العالية في التصنيع وتكاليف الإنتاج المنخفضة. هذا التحول أدى إلى تدفق هائل للمنتجات الصينية إلى الأسواق العالمية، بما في ذلك السوق الأمريكية، مما أحدث فجوة تجارية كبيرة لصالح الصين. في عام 2018، أطلق الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب “حرباً تجارية” بفرض تعريفات جمركية واسعة النطاق على الواردات الصينية، بهدف تقليص العجز التجاري وحماية الصناعات الأمريكية. ورغم تغيير الإدارة الأمريكية، استمرت العديد من هذه التعريفات، مما يعكس إجماعاً سياسياً أمريكياً متزايداً على ضرورة إعادة التوازن للعلاقات التجارية.
فائض قياسي وتوقعات متجاوزة
يؤكد الفائض التجاري الصيني الضخم، الذي تجاوز تريليون دولار لأول مرة متخطياً رقم العام الماضي البالغ 993 مليار دولار، على مرونة الاقتصاد الصيني وقدرته على التكيف. فقد أظهرت بيانات رسمية صادرة عن إدارة الجمارك الصينية نمو صادرات السلع بنسبة 6.6% بالدولار في ديسمبر مقارنةً بالعام السابق، متجاوزةً بذلك ضعف متوسط التوقعات التي توصل إليها استطلاع أجرته “بلومبيرغ” لآراء المحللين، والبالغة 3.1%. كما أن هذا النمو أعلى من معدل النمو في نوفمبر الذي بلغ 5.9%. وتُرجع بكين هذا الفائض إلى عوامل هيكلية في الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الطلب الاستهلاكي القوي في الدول المتقدمة، ونقص القدرة التصنيعية في بعض الاقتصادات، بالإضافة إلى السياسات الحمائية التي تتبناها واشنطن والتي دفعت الصين للبحث عن أسواق بديلة.
تحولات في مسارات التجارة وتداعيات عالمية
لم يأتِ هذا الفائض القياسي دون تحولات ملحوظة في مسارات التجارة العالمية. ففي مؤشر واضح على تزايد “انفصال التجارة” المباشرة بين الصين والولايات المتحدة، بلغت حصة الولايات المتحدة من الصادرات الصينية العام الماضي 11.1%، بانخفاض ملحوظ عن 14.7% في عام 2024، وهي من أدنى المستويات منذ تسعينيات القرن الماضي. في المقابل، ارتفعت الصادرات الصينية إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 8.4%، وإلى جنوب شرق آسيا بنسبة 13.4%، مما يدل على نجاح المنتجين الصينيين في تحويل شحناتهم إلى أسواق أخرى لتعويض تراجع الطلب الأمريكي المباشر.
تأثيرات متوقعة وتوترات جيوسياسية
من شأن هذا الفائض التجاري الضخم أن يؤجج التوترات التجارية العالمية بشكل كبير، لا سيما مع الاتحاد الأوروبي والدول النامية الكبرى. يخشى الاتحاد الأوروبي، الذي لم يحذُ حذو الولايات المتحدة بعد في فرض تعريفات جمركية واسعة النطاق، من أن تطغى الواردات الصينية الرخيصة على صناعاته المحلية، خاصة في قطاعات مثل السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة. وقد دعا التكتل بكين مراراً إلى تحفيز الطلب المحلي وخفض حواجزها أمام واردات المنتجات المصنعة لضمان منافسة عادلة. أما الدول النامية، فتخشى من أن تؤدي القدرة التنافسية الهائلة للصين إلى إعاقة نمو صناعاتها الناشئة، مما يعمق تبعيتها الاقتصادية.
على الصعيد الجيوسياسي، يعكس هذا الاختلال التجاري تحديات أوسع نطاقاً تتعلق بإعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية واستراتيجيات “الصين زائد واحد” التي تتبناها العديد من الشركات لتقليل الاعتماد على بكين. إن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد في النزاعات التجارية، وربما يؤثر على استقرار الاقتصاد العالمي، مما يتطلب حواراً دولياً مكثفاً لإيجاد حلول مستدامة تضمن تجارة عادلة ومتوازنة للجميع.


