spot_img

ذات صلة

وزير الخارجية الصيني يحذر من “شريعة الغاب” بدون الأمم المتحدة

في خضم تصاعد التوترات الجيوسياسية وتحديات النظام الدولي، وجه وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، تحذيراً شديد اللهجة خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، مشدداً على أن غياب الأمم المتحدة سيؤدي إلى سيادة “شريعة الغاب”. جاءت تصريحات وانغ يي رداً على انتقادات السيناتور الأمريكي البارز، ماركو روبيو، الذي شكك في فعالية المنظمة الدولية في حل النزاعات العالمية. هذه المواجهة الدبلوماسية تسلط الضوء على التباينات العميقة بين القوى الكبرى حول مستقبل الحوكمة العالمية ودور المؤسسات المتعددة الأطراف.

أكد وانغ يي أن الخلل في أداء النظام العالمي لا يعود إلى قصور في الأمم المتحدة بحد ذاتها، بل إلى محاولات بعض الدول إحياء عقلية الحرب الباردة، في إشارة واضحة إلى السياسات الأمريكية. ودعا الوزير الصيني الدول الكبرى إلى الالتزام بالقانون الدولي واللجوء إلى الدبلوماسية والحوار لحل الخلافات، بدلاً من استخدام القوة أو تبني سياسات أحادية الجانب. وشدد على أن العالم يشهد حالياً أكثر من 60 أزمة تتطلب تضافر الجهود الدولية.

وفي سياق حديثه عن الأزمات الراهنة، تطرق وانغ يي إلى الحرب في غزة، مؤكداً أن إنهاء هذا الصراع يتطلب جهوداً جبارة ومنح الفلسطينيين دولتهم المستقلة، داعياً إلى التصرف بحذر وتجنب خلق أزمات جديدة. كما أشار إلى ضرورة عدم تجاوز القانون الدولي في قضايا مثل الوضع في فنزويلا، مما يعكس موقف بكين الرافض للتدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول.

من جانبه، لم يتردد السيناتور الأمريكي ماركو روبيو في توجيه انتقادات حادة للأمم المتحدة خلال كلمته في مؤتمر ميونيخ، معتبراً أنها لم تلعب “أي دور عملي” في تسوية النزاعات. ورغم إقراره بأن الأمم المتحدة لا تزال تمتلك “إمكانيات كبيرة لتكون قوة خير في العالم”، إلا أنه أضاف أنه “لا يمكن التغاضي عن أن الأمم المتحدة تفتقر اليوم إلى الإجابات بشأن المسائل الأكثر إلحاحاً المطروحة”، مشيراً بشكل خاص إلى فشلها في إيجاد حل للحرب في غزة. ودعا روبيو إلى إصلاح شامل للمؤسسات الدولية لتعزيز فعاليتها.

تأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه حدة التنافس بين الولايات المتحدة والصين، حيث دأبت بكين على توجيه انتقادات متكررة لسياسات واشنطن، معتبرة أن العالم لم يعد أحادي القطب. وتصف الصين ما تقوم به الولايات المتحدة بـ “التنمر الأمريكي” ومحاولات إكراه بعض الدول، خاصة بعد حرب الرسوم الجمركية التي اشتعلت بين البلدين. هذه المواقف تعكس رؤيتين مختلفتين تماماً للنظام العالمي، حيث تدعو الصين إلى نظام متعدد الأقطاب قائم على التعاون، بينما ترى الولايات المتحدة نفسها كقوة مهيمنة تسعى للحفاظ على نظام تقوده.

تأسست الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية بهدف منع تكرار الفظائع والصراعات المدمرة، ولتكون منبراً للدبلوماسية والتعاون الدولي. لقد لعبت المنظمة دوراً حاسماً في حفظ السلام، وتقديم المساعدات الإنسانية، وتعزيز حقوق الإنسان على مدى عقود. ومع ذلك، فإن تحديات القرن الحادي والعشرين، من الصراعات الإقليمية المعقدة إلى التغير المناخي والأوبئة، تضع ضغوطاً هائلة على قدرتها على الاستجابة بفعالية، مما يثير تساؤلات حول هيكلها وآليات عملها.

إن هذا التبادل الحاد في مؤتمر ميونيخ للأمن، الذي يعد أحد أهم المنتديات العالمية لمناقشة قضايا الأمن، يؤكد على الأهمية المتزايدة للنقاش حول مستقبل النظام الدولي. فبينما تدعو الصين إلى التمسك بالمبادئ المتعددة الأطراف والقانون الدولي، تنتقد الولايات المتحدة، عبر ممثليها، أوجه القصور في هذه المؤسسات. هذا التوتر بين الدعوة إلى التمسك بالنظام الحالي وضرورة إصلاحه يعكس صراعاً أوسع حول من يحدد قواعد اللعبة الدولية وكيف يتم تطبيقها. إن تأثير هذه المواقف قد يمتد ليشمل كيفية التعامل مع الأزمات المستقبلية، ومدى قدرة المجتمع الدولي على التوافق على حلول جماعية للتحديات المشتركة، مما يجعل دعوة وانغ يي لتجنب “شريعة الغاب” تحذيراً ذا صدى عميق في الساحة الدولية.

spot_imgspot_img