شهدت الصين تسارعًا ملحوظًا في تضخم أسعار المستهلكين خلال شهر ديسمبر، مسجلة أعلى مستوياتها في ثلاث سنوات، في تطور يثير تساؤلات حول مسار التعافي الاقتصادي للبلاد. يأتي هذا الارتفاع في مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) على الرغم من استمرار انكماش أسعار المنتجين (PPI) لفترة طويلة، مما يشير إلى وجود ضعف مستمر في الطلب الأساسي وتحديات هيكلية تواجه ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وفقًا لبيانات مكتب الإحصاء الوطني الصادرة يوم الجمعة، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.8% على أساس سنوي في ديسمبر، وهو أعلى مستوى له منذ فبراير 2023، متجاوزًا نمو نوفمبر البالغ 0.7%. وعلى أساس شهري، ارتفعت الأسعار بنسبة 0.2%، متجاوزة التوقعات التي كانت تشير إلى ارتفاع بنسبة 0.1% فقط. كان الارتفاع مدفوعًا بشكل رئيسي بزيادة أسعار الخضراوات الطازجة بنسبة 18.2% على أساس سنوي، نتيجة لنقص الإمدادات خلال فصل الشتاء القارس، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار المجوهرات الذهبية بنسبة 68.5% مدفوعة بالإقبال العالمي على المعدن النفيس وسط مخاوف من الركود الاقتصادي وعدم استقرار الأسواق، كما أشارت كبيرة الإحصائيين لدى المكتب «ليجوان دونغ». ووصل معدل التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار المواد الغذائية والطاقة المتقلبة، إلى 1.2% على أساس سنوي خلال ديسمبر، محافظًا على مستواه المسجل في نوفمبر.
تأتي هذه الأرقام في سياق اقتصادي معقد للصين، التي تواجه تحديات متعددة منذ فترة ما بعد جائحة كوفيد-19. فبعد فترة من النمو السريع، بدأت البلاد تشهد تباطؤًا في النمو الاقتصادي، مدفوعًا بضعف الطلب المحلي، وأزمة قطاع العقارات، وتراجع ثقة المستهلكين والمستثمرين. لطالما كانت الصين تواجه ضغوطًا انكماشية في السنوات الأخيرة، حيث سعت الحكومة جاهدة لتحفيز الاستهلاك والاستثمار من خلال حزم تحفيزية وسياسات نقدية تيسيرية. هذا الارتفاع في CPI، وإن كان مدفوعًا جزئيًا بعوامل عرض محددة مثل أسعار الخضراوات، قد يشير إلى تحول طفيف في ديناميكيات الأسعار، لكنه لا يزال لا يعكس انتعاشًا قويًا في الطلب العام.
في المقابل، استمرت أسعار المنتجين في الانكماش، حيث انخفضت بنسبة 1.9% في ديسمبر على أساس سنوي، وهو تحسن طفيف عن انكماش نوفمبر البالغ 2.2%، وأفضل من التوقعات التي أشارت إلى تراجع بنسبة 2%. ومع ذلك، فإن هذه القراءة تطيل أمد فترة انكماش مؤشر أسعار المنتجين لأكثر من ثلاث سنوات متتالية. يشير هذا الانكماش المستمر في أسعار المنتجين إلى ضعف الطلب الصناعي، وتراجع أرباح الشركات، وتحديات تواجه قطاع التصنيع الصيني، الذي يُعد محركًا رئيسيًا للاقتصاد. الفجوة بين ارتفاع أسعار المستهلكين وانكماش أسعار المنتجين تسلط الضوء على عدم التوازن في الاقتصاد الصيني، حيث يواجه المستهلكون ارتفاعًا في تكلفة بعض السلع الأساسية بينما تعاني الشركات من ضغوط على هوامش الربح.
تداعيات هذا الوضع متعددة الأوجه. على الصعيد المحلي، قد يؤدي ارتفاع أسعار بعض السلع الاستهلاكية، خاصة الغذاء، إلى تآكل القوة الشرائية للأسر الصينية، مما قد يحد من الإنفاق الاستهلاكي الذي تسعى الحكومة لتعزيزه. بالنسبة للشركات، فإن استمرار انكماش أسعار المنتجين يضغط على الأرباح ويقلل من الحوافز للاستثمار والتوسع، مما قد يؤثر سلبًا على خلق فرص العمل والنمو الاقتصادي العام. هذا المشهد المعقد يضع صانعي السياسات أمام معضلة، فبينما قد يشير ارتفاع CPI إلى الحاجة إلى الحذر من التضخم، فإن ضعف PPI والطلب الأساسي يدعو إلى مزيد من التحفيز لدعم النمو.
على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن صحة الاقتصاد الصيني لها تأثيرات كبيرة. فضعف الطلب في الصين يمكن أن يؤثر على أسعار السلع العالمية والطلب على الصادرات من الدول الشريكة. كما أن استقرار الاقتصاد الصيني أمر حيوي لسلاسل الإمداد العالمية والتجارة الدولية. الارتفاع في أسعار الذهب، الذي يعكس مخاوف عالمية من الركود، يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد الاقتصادي العالمي، حيث تتشابك التحديات المحلية في الصين مع الاتجاهات الاقتصادية الأوسع نطاقًا.


