تشهد العلاقات بين الصين واليابان في الآونة الأخيرة واحدة من أكثر مراحلها توتراً وحرجاً منذ عقود. ويأتي هذا التوتر مدفوعاً بتبادل الإجراءات السياسية والاقتصادية والعسكرية الصارمة بين القوتين العظميين في شرق آسيا، على خلفية ملفات شائكة أبرزها أمن تايوان، والنزاعات البحرية المستمرة، والتحولات العميقة في العقيدة الدفاعية اليابانية.
جذور الخلاف التاريخي وإرث الحرب العالمية الثانية
لا يمكن فهم التوترات الراهنة بمعزل عن السياق التاريخي المعقد الذي يلقي بظلاله على البلدين. فما زال إرث الحرب العالمية الثانية يمثل جرحاً غائراً في الذاكرة الجماعية الصينية؛ إذ ترى بكين أن طوكيو لم تقدم اعتذاراً كافياً يرقى إلى حجم الانتهاكات والجرائم التي ارتكبتها القوات اليابانية إبان احتلالها لأجزاء واسعة من الأراضي الصينية. ورغم الاعتذارات المتكررة وتعبيرات الندم التي صدرت عن رؤساء وزراء وأباطرة يابانيين على مر العقود، فإن الصين تقارن الموقف الياباني دائماً بالموقف الألماني الذي تبنى مراجعة شاملة وصارمة لإرثه النازي. وتتغذى هذه الشكوك الصينية باستمرار مع الزيارات المثيرة للجدل التي يقوم بها مسؤولون يابانيون لضريح “ياسوكوكي”، الذي يخلد ذكرى قتلى الحرب اليابانيين، بمن فيهم أشخاص أدينوا بارتكاب جرائم حرب من الدرجة الأولى.
موقف تايوان يشعل فتيل الأزمة في العلاقات بين الصين واليابان
تجلت ذروة التصعيد السياسي مؤخراً في التصريحات الحازمة التي أدلت بها رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، والتي أكدت فيها أن أي هجوم عسكري على تايوان قد يدفع اليابان إلى نشر قوات الدفاع الذاتي لحماية أمنها القومي، معتبرةً أن استقرار تايوان يمثل قضية وجودية لبلادها. هذا التحول غير المسبوق في الخطاب الدبلوماسي الياباني، الذي كان يتجنب تاريخياً الحديث المباشر عن التدخل العسكري، أثار غضباً عارماً في بكين. ورداً على ذلك، سارعت الحكومة الصينية إلى فرض قيود تجارية صارمة على صادرات المنتجات ذات الاستخدام المزدوج (المدني والعسكري) لـ 40 شركة يابانية، متهمةً طوكيو بتبني “نزعة عسكرية جديدة متهورة” تهدد الاستقرار الإقليمي، إلى جانب تعليق العديد من اللقاءات الدبلوماسية والبرامج الأكاديمية المشتركة.
سباق التسلح الإقليمي وإعادة صياغة التوازنات الأمنية
على الصعيد العسكري، تشهد المنطقة تحركات متسارعة تعكس عمق المخاوف الأمنية المتبادلة. فقد رفعت اليابان ميزانيتها الدفاعية بنسبة 9.4% لتصل إلى نحو 58 مليار دولار، في إطار خطة استراتيجية تهدف لزيادة الإنفاق العسكري إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزةً بذلك القيود السلمية التقليدية المفروضة في دستورها ما بعد الحرب العالمية الثانية. وفي المقابل، تمتلك الصين ميزانية دفاعية معلنة تفوق نظيرتها اليابانية بأكثر من أربعة أضعاف (نحو 275 مليار دولار)، وسط تقديرات دولية تشير إلى أن الإنفاق الفعلي قد يكون أعلى بكثير. ويتجلى هذا التنافس الميداني في المناورات الجوية المشتركة التي نفذتها قاذفات صينية وروسية بالقرب من الأجواء اليابانية، ودخول سفن خفر السواحل الصيني إلى المنطقة الاقتصادية الخالصة لليابان، مما دفع طوكيو لنشر منصات إطلاق صواريخ متطورة في جزرها الشرقية النائية.
الروابط الاقتصادية كصمام أمان ومساعي التهدئة
رغم هذا الاستقطاب الحاد، تظل الشراكة الاقتصادية هي الركيزة الأساسية التي تمنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة. فقد تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين حاجز 322 مليار دولار، مما يعكس اعتماداً متبادلاً عميقاً لا يمكن لأي من الطرفين الاستغناء عنه بسهولة. وفي محاولة لاحتواء الأزمة، تسعى القنوات الدبلوماسية في طوكيو لترتيب لقاء ثنائي يجمع رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي والرئيس الصيني شي جين بينغ على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) المقررة في مدينة شنتشن الصينية. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الجهود يظل رهناً بمدى قدرة الطرفين على إيجاد صيغة توازن مرنة تجمع بين المصالح الاقتصادية الحيوية والخطوط الحمراء السياسية والأمنية لكل منهما.


