في رسالة دبلوماسية مباشرة من قلب مؤتمر ميونخ للأمن، أكد وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، لنظرائه الأوروبيين أن التحديات التي يواجهها الاتحاد الأوروبي ليست ناجمة عن الصين، مشدداً على أن بكين تمثل فرصة للنمو وليس مصدراً للمخاطر، وداعياً إلى تعزيز التعاون بدلاً من تبني سياسات فك الارتباط.
جاءت هذه التصريحات خلال اجتماعات مكثفة عقدها وانغ يي يومي الجمعة والسبت على هامش المؤتمر، الذي يعد أحد أبرز المحافل الدولية لمناقشة السياسات الأمنية العالمية. والتقى الوزير الصيني بنظرائه من القوتين الأوروبيتين الرئيسيتين، ألمانيا وفرنسا، ممثلتين بوزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، والمستشار الدبلوماسي للرئيس الفرنسي إيمانويل بون، حيث سعى إلى تبديد المخاوف الأوروبية المتزايدة تجاه سياسات بكين الاقتصادية والجيوسياسية.
سياق متوتر وخلفية تاريخية
تأتي هذه المحادثات في ظل مرحلة دقيقة تمر بها العلاقات الصينية الأوروبية. فبعد عقود من النمو المطرد في التبادل التجاري الذي جعل الصين أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي، تغيرت النظرة الأوروبية بشكل كبير. ففي عام 2019، حدد الاتحاد الأوروبي استراتيجيته تجاه الصين بوصفها “شريكاً في التعاون، ومنافساً اقتصادياً، وخصماً نظامياً”. وقد تعزز هذا التوجه في السنوات الأخيرة مع تبني بروكسل سياسة “الحد من المخاطر” (de-risking)، التي تهدف إلى تقليل الاعتماد الاستراتيجي على الصين في سلاسل التوريد الحيوية، خاصة في مجالات التكنولوجيا والطاقة والمواد الخام.
وتتعدد أسباب القلق الأوروبي، أبرزها العجز التجاري الكبير لصالح الصين، والذي بلغ حوالي 400 مليار يورو، بالإضافة إلى اتهامات أوروبية لبكين بإغراق الأسواق بمنتجات مدعومة من الدولة، مثل السيارات الكهربائية، مما يهدد الصناعات المحلية. كما يمثل الموقف الصيني من الحرب في أوكرانيا، وعدم إدانتها للغزو الروسي، وتعزيز علاقاتها مع موسكو، نقطة خلاف جوهرية تلقي بظلالها على الثقة السياسية بين الجانبين.
أهمية التصريحات وتأثيرها المتوقع
تكتسب تصريحات وانغ يي أهمية خاصة كونها محاولة صينية لاستعادة زمام المبادرة الدبلوماسية وتقديم رواية بديلة للخطاب الغربي. فبتأكيده على أن “الطرفين شريكان وليسا خصمين”، وأن “الاعتماد المتبادل لا يشكل خطراً”، يسعى الوزير الصيني إلى طمأنة دوائر الأعمال والسياسة في أوروبا بأن التعاون مع بكين لا يزال الخيار الأفضل لتحقيق الرخاء المشترك. وأضاف وانغ، بحسب بيان صادر عن مكتبه، أن “تطور الصين يمثل فرصة لأوروبا، والصعوبات التي تواجهها أوروبا لا تأتي من الصين”.
وعلى الصعيد الدولي، تهدف هذه الجهود الدبلوماسية إلى منع تشكل جبهة غربية موحدة ضد الصين، عبر محاولة بناء علاقات ثنائية قوية مع دول أوروبية مؤثرة مثل ألمانيا وفرنسا، اللتين تعتمد اقتصاداتهما بشكل كبير على السوق الصينية. ويأمل وانغ، كما صرح، أن “تتبع أوروبا سياسة عقلانية وبراغماتية تجاه الصين”، في إشارة ضمنية إلى رفض الضغوط الأمريكية لتبني موقف أكثر تشدداً. ويبقى نجاح هذه المساعي مرهوناً بقدرة بكين على معالجة المخاوف الأوروبية الجوهرية، سواء في الممارسات التجارية أو في الملفات الجيوسياسية الكبرى.


