في تحذير يتردد صداه في أروقة الأمم المتحدة، أعربت الصين عن قلقها البالغ إزاء التوسع السريع لأقمار «ستارلينك» الصناعية التابعة لشركة سبيس إكس (SpaceX) المملوكة للملياردير الأمريكي إيلون ماسك، مؤكدة أن هذه الكوكبة الضخمة تشكل تهديدات واضحة للسلامة والأمن على المستوى العالمي. جاء هذا التحذير خلال اجتماع غير رسمي لمجلس الأمن الدولي، المعروف بـ «آلية أريا»، حيث شدد ممثل بكين على ضرورة وضع ضوابط فعالة للأنشطة التجارية المتزايدة في الفضاء.
وأوضح الممثل الصيني أن الانتشار غير المنضبط لمجموعات الأقمار الصناعية التجارية من قبل «دولة معينة»، في إشارة واضحة إلى الولايات المتحدة وشركاتها الخاصة، يثير تحديات جسيمة في مجالي السلامة والأمن الفضائيين. هذا القلق ليس جديدًا، بل يتجذر في تاريخ طويل من التنافس والتعاون في الفضاء، حيث بدأت البشرية رحلتها الفضائية بسباق محموم بين القوى العظمى، ثم تطورت لتشمل مشاركة متزايدة من القطاع الخاص. اليوم، مع تزايد عدد الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض (LEO)، تتصاعد المخاوف من ازدحام الفضاء وتداعياته المحتملة.
مخاطر الاصطدام والحطام الفضائي: تهديد متزايد
لم تكتفِ الصين بالتحذير العام، بل قدمت أمثلة ملموسة على المخاطر التي تشكلها أقمار ستارلينك. أشار الدبلوماجي الصيني إلى حادثتين خطيرتين وقعتا في عام 2021، حيث اقتربت أقمار ستارلينك بشكل مقلق من محطة الفضاء الصينية «تيانغونغ»، مما أجبر المحطة على تنفيذ مناورات طارئة لتجنب الاصطدام. هذه الحوادث لم تهدد فقط سلامة رواد الفضاء الصينيين، بل سلطت الضوء على ضعف التنسيق والافتقار إلى آليات فعالة لتجنب التصادم في مدارات مكتظة.
كما كشف التقرير الصيني عن تفكك أحد أقمار ستارلينك في ديسمبر 2025، مما أدى إلى توليد أكثر من 100 قطعة من الحطام الفضائي. هذه الظاهرة، المعروفة باسم «متلازمة كيسلر» (Kessler Syndrome)، حيث يؤدي تصادم واحد إلى سلسلة من التصادمات الأخرى، تشكل تهديدًا وجوديًا لجميع الأقمار الصناعية العاملة، وخاصة تلك التابعة للدول النامية التي قد تفتقر إلى القدرات التكنولوجية للتحكم الدقيق في مداراتها أو حماية أصولها الفضائية. إن تراكم الحطام الفضائي لا يعيق فقط البعثات المستقبلية، بل يهدد البنية التحتية الفضائية الحالية التي تعتمد عليها حياتنا اليومية، من الاتصالات والملاحة إلى مراقبة الطقس.
تحديات السيادة الرقمية والاستخدامات المزدوجة
تجاوزت المخاوف الصينية الجانب المادي لتشمل قضايا السيادة الرقمية والأمن السيبراني. اتهم الممثل الصيني بعض أقمار ستارلينك بتقديم خدمات اتصالات عابرة للحدود دون الحصول على موافقة الدول المعنية، معتبرًا ذلك تدخلاً سافرًا في الشؤون الداخلية. وأشار إلى استخدام هذه الخدمة من قبل جماعات إرهابية وانفصالية وشبكات احتيال إلكتروني في مناطق حساسة مثل الساحل الأفريقي وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا. هذا يثير تساؤلات حول المسؤولية الدولية للشركات الخاصة التي تقدم خدمات ذات طبيعة استراتيجية، وكيف يمكن للدول حماية سيادتها في الفضاء الرقمي.
إن القدرة على توفير الإنترنت عالميًا، حتى في المناطق النائية أو التي تعاني من انقطاع الاتصالات، تمنح ستارلينك قوة هائلة يمكن أن تكون ذات استخدامات مزدوجة (مدنية وعسكرية). ففي حين تهدف ستارلينك إلى سد الفجوة الرقمية، فإن مرونتها وقدرتها على العمل في مناطق النزاع تجعلها أداة استراتيجية محتملة، مما يثير قلق الدول التي ترى فيها تهديدًا لأمنها القومي أو وسيلة للتدخل الخارجي.
دعوة لتنظيم الفضاء وتعزيز التعاون الدولي
في ضوء هذه التحديات، دعا الجانب الصيني الدول إلى الالتزام الصارم بمعاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، والتي تشكل حجر الزاوية في القانون الفضائي الدولي. كما طالب بتعزيز الرقابة على الأنشطة التجارية الفضائية الخاصة ببلدانها لضمان سلامة وأمن الفضاء المشترك. هذه المعاهدة، التي وُضعت في عصر سباق الفضاء بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، تفتقر إلى آليات واضحة للتعامل مع التطورات التكنولوجية الحديثة مثل كوكبات الأقمار الصناعية الضخمة.
مشروع ستارلينك، الذي يعد أكبر كوكبة أقمار صناعية تجارية في العالم، يهدف إلى توفير إنترنت عالي السرعة في جميع أنحاء الكوكب. وحتى نهاية عام 2025، تجاوز عدد أقمار ستارلينك النشطة في المدار الأرضي المنخفض 10 آلاف قمر، مشكلة حوالي ثلثي إجمالي الأقمار الصناعية النشطة في هذا المدار. وتخطط سبيس إكس للوصول إلى 42 ألف قمر في المستقبل، مما يضاعف من تعقيد الوضع الفضائي.
في المقابل، تعمل الصين على تطوير مشاريع منافسة ضخمة مثل «Qianfan» (الألفية) و«Guowang»، وتسعى لإطلاق عشرات الآلاف من الأقمار الخاصة بها خلال العقد القادم. هذا التنافس المحتدم في الفضاء، وإن كان يدفع عجلة الابتكار، فإنه يزيد أيضًا من مخاطر الازدحام والتصادم وتوليد المزيد من الحطام الفضائي، مما يهدد استدامة استخدام الفضاء للأجيال القادمة.
ردًا على التصريحات الصينية والمخاوف المتزايدة، أعلنت سبيس إكس عن خطة لخفض ارتفاع أكثر من 4400 قمر صناعي إلى مدار أقل (حوالي 480 كم) خلال عام 2026. تهدف هذه الخطوة إلى تقليل مخاطر التصادم وزيادة سرعة خروج الأقمار الفاشلة من المدار، في محاولة للتخفيف من حدة الانتقادات وتأكيد التزامها بسلامة الفضاء. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر في إيجاد إطار دولي شامل وفعال ينظم الأنشطة الفضائية التجارية ويضمن الاستخدام السلمي والمستدام للفضاء الخارجي للجميع.


