في خطوة تعكس تحولاً نوعياً في أساليب العمل الاستخباراتي، وجهت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، أمس الثلاثاء، رسالة مباشرة وغير مسبوقة إلى الشعب الإيراني باللغة الفارسية. جاءت هذه الرسالة عبر الحساب الرسمي للوكالة على منصة «إكس» (تويتر سابقاً)، حاملة دعوة صريحة للتعاون، ومؤكدة رغبة واشنطن في الاستماع إلى ما يدور داخل الأروقة الإيرانية المغلقة.
تفاصيل الرسالة وتقنيات التشفير
تضمنت الحملة الرقمية فيديو توضيحياً مدته دقيقتان و15 ثانية، مصمماً بعناية ليشرح للمواطنين الإيرانيين كيفية تجاوز الرقابة الإلكترونية الصارمة التي تفرضها طهران. وركز الفيديو على تقديم تعليمات فنية دقيقة حول استخدام متصفح «تور» (Tor) والشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) لإنشاء قناة اتصال آمنة ومشفرة مع الوكالة، بما يضمن حماية هوية المتصلين وعدم ترك أي أثر رقمي قد يعرض حياتهم للخطر. وشددت الوكالة في رسالتها على أن «سلامة وأمن المتواصلين هي الأولوية القصوى»، محذرة من المخاطر المحتملة للرصد الإلكتروني.
سياق استخباراتي: الحاجة إلى العنصر البشري
تأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه أجهزة الاستخبارات الغربية صعوبات متزايدة في الحصول على معلومات موثوقة من داخل إيران عبر الوسائل التقنية التقليدية فقط. ويشير خبراء أمنيون إلى أن لجوء الـ CIA إلى التجنيد العلني عبر وسائل التواصل الاجتماعي يعكس حاجة ملحة لتعزيز «الاستخبارات البشرية» (HUMINT). ففي ظل السرية التامة التي يحيط بها النظام الإيراني برنامجه النووي وقراراته السياسية، يصبح العنصر البشري المتواجد على الأرض هو المصدر الوحيد القادر على تفسير النوايا وكشف الوثائق التي لا تستطيع الأقمار الصناعية رصدها.
سابقة تاريخية واستراتيجية متكررة
لا تعد هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها وكالة الاستخبارات المركزية إلى هذا الأسلوب؛ فقد سبق لها إطلاق حملات مماثلة استهدفت تجنيد عملاء في روسيا عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا، وكذلك في الصين. وتندرج هذه التحركات ضمن استراتيجية أوسع تتبناها الوكالة لاستغلال حالة الاستياء الشعبي في الدول التي تخضع لرقابة صارمة، حيث تراهن واشنطن على وجود مواطنين يرغبون في التغيير ومستعدين لتقديم معلومات حساسة مقابل ضمانات أمنية.
التوقيت السياسي: مفاوضات تحت النار
يتزامن هذا التحرك الاستخباراتي مع مشهد سياسي شديد التعقيد، حيث تتصاعد التوترات بين واشنطن وطهران على خلفية الاحتجاجات الداخلية التي شهدتها إيران في ديسمبر ويناير الماضيين، وما تبعها من عقوبات أمريكية جديدة. كما يأتي النشر بالتوازي مع تقارير عن رسائل نصية غامضة وصلت لآلاف الإيرانيين تشير إلى «رجل عمل»، مما أثار مخاوف من حرب سيبرانية نفسية تشنها أطراف خارجية.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، تتشابك هذه التطورات مع استئناف المحادثات النووية غير المباشرة بين الطرفين في سلطنة عُمان وجنيف. فبينما تجلس الوفود على طاولات التفاوض لمناقشة وقف تخصيب اليورانيوم، تمارس واشنطن ضغوطاً قصوى عبر المسار الاستخباراتي، في محاولة لكشف أوراق الضغط الإيرانية قبل أي اتفاق محتمل، خاصة بعد التوترات العسكرية التي أشارت التقارير إلى حدوثها في منتصف عام 2025.


