في تطور سياسي وقضائي بارز، وافق الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون وزوجته وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون على الإدلاء بشهادتيهما أمام لجنة الرقابة والإصلاح الحكومي بمجلس النواب. تأتي هذه الموافقة ضمن التحقيقات المستمرة في قضية جيفري إبستين، الممول الثري المدان بجرائم اعتداء جنسي والاتجار بالقاصرات، والتي هزت الأوساط السياسية والاجتماعية في الولايات المتحدة والعالم.
تُعد قضية جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وإثارة للجدل في التاريخ الأمريكي الحديث. فإبستين، الذي كان يمتلك شبكة واسعة من العلاقات مع شخصيات نافذة في عالم السياسة والاقتصاد والفن، واجه اتهامات خطيرة بالاتجار بالجنس والاعتداء على فتيات قاصرات. بدأت هذه القضية تبرز للعلن في أوائل الألفية الثالثة، حيث أُدين في عام 2008 بتهم تتعلق بالدعارة في فلوريدا، لكنه حصل على صفقة إقرار بالذنب مثيرة للجدل سمحت له بتجنب عقوبة سجن طويلة. ومع ذلك، أعيد فتح القضية في عام 2019، ليواجه اتهامات فيدرالية جديدة، قبل أن يُعثر عليه ميتاً في زنزانته بسجن مانهاتن الفيدرالي، في حادثة صُنفت رسمياً على أنها انتحار، لكنها أثارت موجة عارمة من الشكوك ونظريات المؤامرة حول الظروف المحيطة بوفاته ومن قد يكون متورطاً معه. هذه الخلفية المعقدة تزيد من أهمية أي شهادة تتعلق بعلاقاته.
جاءت موافقة آل كلينتون على الشهادة بعد أشهر من المفاوضات الشاقة والضغط المتزايد من الكونغرس. فقد كانت لجنة القواعد بمجلس النواب تستعد للتصويت على إمكانية توجيه تهمة ازدراء الكونغرس بحق الزوجين، بعد أن صادقت لجنة الرقابة على قرارات الازدراء الشهر الماضي. هذا التصعيد يعكس الإصرار التشريعي على كشف جميع جوانب القضية، خاصة في ظل المطالبات الشعبية المتزايدة بالشفافية والمساءلة.
في رد فعل سريع، أكد المتحدث باسم بيل كلينتون، أنجيل أورينا، في منشور على منصة «إكس»، أن الرئيس السابق ووزيرة الخارجية السابقة سيلتزمان بالحضور، مشيراً إلى أنهم يتطلعون إلى إرساء سابقة تُطبق على الجميع. هذا التصريح جاء رداً على رئيس لجنة الرقابة جيمس كومر (جمهوري من كنتاكي)، الذي علم بالموافقة خلال اجتماع لجنة القواعد، وسط توترات وخلافات حزبية حادة. فبينما طالب الديمقراطيون بتوضيح ما إذا كانت اللجنة ستمضي قدماً في قرار ازدراء الكونغرس، رد كومر بأنه لم يطّلع بعد على رسالة محامي آل كلينتون، ويحتاج إلى مراجعتها قبل اتخاذ أي خطوة. هذه الديناميكية الحزبية تسلط الضوء على الطبيعة السياسية لأي تحقيق يمس شخصيات بهذا الثقل.
وفي بيان لاحق، أوضح كومر أن الشروط المتفق عليها «لا تزال تفتقر إلى الوضوح»، ولم تتضمن مواعيد محددة لجلسات الاستماع، مؤكداً أن السبب الوحيد لهذه الموافقة هو تحرك مجلس النواب في مسار ازدراء الكونغرس. في المقابل، أكد النائب روبرت غارسيا (ديمقراطي من كاليفورنيا)، العضو البارز في لجنة الرقابة، أن الرسالة الأخيرة من آل كلينتون تضمنت موافقة كاملة على جميع الشروط التي حددها كومر، مشدداً على أنهم وافقوا على الإدلاء بشهادتهم استجابةً لكل طلب. هذا التباين في الروايات يعكس الصراع المستمر بين الحزبين حول كيفية إدارة التحقيق.
لطالما كانت علاقة بيل كلينتون بجيفري إبستين محل تدقيق. فقد أقرّ الرئيس السابق بتواصل محدود مع إبستين بين عامي 2002 و2003، في إطار أنشطة خيرية وإنسانية، شملت رحلات على متن طائرته الخاصة المعروفة باسم «لوليتا إكسبريس» أو «جيت إبستين». ومع ذلك، نفى هو وزوجته بشكل قاطع زيارة جزيرة إبستين الخاصة في جزر العذراء الأمريكية، المعروفة باسم «ليتل سانت جيمس»، والتي كانت مسرحاً للعديد من الجرائم المزعومة. ورغم تقارير وثائقية سابقة تحدثت عن مزاعم مشاهدة بيل كلينتون على الجزيرة، أكد الزوجان، تحت القسم، عدم تذكرهما لأي تفاعلات محددة مع إبستين أو شريكته غيسلين ماكسويل، وعدم علمهما بالجرائم التي وُجهت إليهما لاحقاً، مشيرين إلى أن آخر تواصل مع إبستين سبق اعتقاله عام 2019 بأكثر من 10 سنوات. هذه التفاصيل تظل محورية في سياق الشهادة المرتقبة.
تكتسب شهادة آل كلينتون أهمية بالغة على عدة مستويات. فعلى الصعيد المحلي، يمكن أن تسهم في إلقاء مزيد من الضوء على شبكة إبستين الواسعة، وتلبية المطالبات الشعبية بالشفافية والمساءلة، خاصة وأن القضية لا تزال تثير تساؤلات حول مدى تورط شخصيات عامة أخرى. سياسياً، قد تؤثر هذه الشهادة على المشهد السياسي الأمريكي، وتزيد من حدة الاستقطاب الحزبي، أو ربما تفتح آفاقاً جديدة للتحقيقات. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن هذه القضية تظل رمزاً لتحديات مكافحة الاتجار بالبشر والاعتداء الجنسي، وتؤكد على ضرورة عدم إفلات أي شخص، مهما كان نفوذه، من العدالة. إن إرساء سابقة للشهادة أمام الكونغرس، كما أشار آل كلينتون، يمكن أن يعزز مبدأ خضوع الجميع للمساءلة القانونية والتشريعية، وهو ما يُعد ركيزة أساسية للديمقراطية.


