في تطور لافت ينقل الصراع الدائر في الشرق الأوسط إلى مستويات جديدة من "الحرب الهجينة"، شهدت البنية التحتية الرقمية في إيران سلسلة من الهجمات السيبرانية المكثفة، تزامنت مع التوترات العسكرية المتصاعدة. وقد استهدفت هذه الهجمات منصات خدمية وإخبارية حيوية، أبرزها تطبيق "باد صبا" الشهير لمواقيت الصلاة، ووكالة الأنباء الرسمية "إرنا"، في محاولة مباشرة لاختراق الجبهة الداخلية الإيرانية وتوجيه رسائل نفسية وعسكرية.
تفاصيل اختراق تطبيق "باد صبا"
تداول ملايين المستخدمين الإيرانيين صوراً توثق لحظة اختراق تطبيق "تقويم باد صبا" (Bade Saba)، وهو أحد أكثر التطبيقات شعبية في إيران بأكثر من 5 ملايين عملية تحميل عبر متجر جوجل بلاي وحده. وبدلاً من التنبيهات المعتادة لمواقيت الصلاة، تلقى المستخدمون إشعارات باللغة الفارسية تحمل رسالة غير مسبوقة تقول: "المساعدة قد وصلت". ولم تكتفِ الرسالة بذلك، بل تضمنت دعوات صريحة لعناصر القوات المسلحة الإيرانية للانشقاق وعدم المشاركة في العمليات العسكرية، واصفة ذلك بجهود "تحرير البلاد"، مما يشير إلى توظيف التطبيقات الخدمية كأدوات للدعاية العسكرية الموجهة (PsyOps).
استهداف المنصات السيادية
لم يقتصر الهجوم على التطبيقات الخدمية، بل طال الرموز السيادية للإعلام الإيراني. فقد أكدت تقارير صحفية، بما فيها ما ذكرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، أن الموقع الإلكتروني لوكالة الأنباء الرسمية "إرنا" تعرض للاختراق، حيث استبدل القراصنة الصفحة الرئيسية بصور ومواد تهاجم النظام. وظهرت عبارات مثل "ساعة مرعبة لقوات أمن نظام الملالي" و"لقد تلقى الحرس الثوري والباسيج ضربة قاصمة"، في إشارة واضحة إلى تزامن الهجوم الإلكتروني مع الضربات العسكرية والتوترات الميدانية.
سياق الحرب السيبرانية المستمرة
لا يمكن فصل هذا الحدث عن السياق التاريخي للصراع السيبراني بين طهران وتل أبيب، والذي يُعرف بـ"حرب الظل". فعلى مدار العقد الماضي، تبادل الطرفان هجمات استهدفت البنى التحتية الحيوية. سبق لإيران أن تعرضت لهجمات عطلت محطات الوقود الوطنية، وشبكات السكك الحديدية، ومصانع الصلب، في حين اتُهمت مجموعات مرتبطة بإيران بمحاولة استهداف أنظمة المياه ومؤسسات مالية في إسرائيل. إلا أن الهجوم الأخير يتميز باستهدافه المباشر للوعي الجمعي عبر تطبيقات الحياة اليومية، متجاوزاً الأضرار المادية إلى التأثير النفسي.
الأهمية الاستراتيجية للهجوم
يرى خبراء الأمن السيبراني أن اختراق تطبيق ديني واسع الانتشار مثل "باد صبا" يحمل دلالات خطيرة؛ فهو يثبت قدرة المهاجمين على الوصول إلى الهواتف الشخصية لملايين المواطنين، متجاوزين جدران الحماية الحكومية والرقابة الصارمة التي تفرضها طهران على الإنترنت. هذا النوع من العمليات يهدف إلى زعزعة الثقة في قدرة النظام على حماية بيانات مواطنيه، ويخلق حالة من الإرباك الداخلي توازي في تأثيرها الضربات الصاروخية، مما يؤكد أن الفضاء الإلكتروني بات ساحة معركة لا تقل ضراوة عن الميدان العسكري التقليدي.


