وصف المبعوث الأمريكي الخاص إلى سورية، توم براك، الاتفاق الشامل الذي تم التوصل إليه بين الحكومة السورية وقوات سورية الديمقراطية (قسد)، بأنه يمثل “علامة فارقة وعميقة الدلالة” في مسار سورية نحو تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، وتعزيز الوحدة، وإرساء دعائم الاستقرار المستدام في البلاد. هذا التطور يأتي في سياق جهود دولية وإقليمية مكثفة لإيجاد حلول للأزمة السورية المعقدة التي طال أمدها.
وفي بيان صدر على منصة “إكس” (تويتر سابقاً) يوم الجمعة، أكد براك أن هذا الاتفاق، الذي جاء تتويجاً لمفاوضات دقيقة ومضنية، وبناءً على أطر سابقة وجهود حديثة لخفض التصعيد، يعكس التزاماً مشتركاً راسخاً بمبادئ الشمولية، والاحترام المتبادل، وصون الكرامة الجماعية لجميع مكونات المجتمع السوري المتنوع. ويُعد هذا الإعلان خطوة مهمة نحو إعادة بناء الثقة بين الأطراف السورية المختلفة.
وأشار المبعوث الأمريكي إلى أن الاتفاق يجسد التزام الحكومة السورية بتأسيس شراكة وطنية حقيقية ونهج حكم شامل لا يقصي أحداً، مما يفتح آفاقاً جديدة لمستقبل سورية. وأوضح براك أن الاتفاق يهدف إلى تسهيل عملية الدمج المرحلي للهياكل العسكرية والأمنية والإدارية التابعة لقوات سورية الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية الموحدة. والأهم من ذلك، أنه يضمن إتاحة الفرصة أمام ممثلين بارزين عن قوات سورية الديمقراطية للمساهمة بفاعلية على مستويات قيادية عليا داخل هذه المؤسسات. هذا النهج يؤكد أن قوة سورية الحقيقية تنبع من احتضان تنوعها والاستجابة للتطلعات المشروعة لجميع أبنائها، بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الدينية.
واعتبر براك أن هذا النهج لا يساهم فقط في ترسيخ السيادة السورية على كامل الأراضي الوطنية، بل يبعث أيضاً برسالة واضحة ومهمة إلى المجتمع الدولي مفادها الانفتاح والعدالة، مما قد يعزز من فرص سورية في استعادة مكانتها الإقليمية والدولية.
السياق التاريخي للأزمة السورية وأهمية الاتفاق
لفهم الأهمية الحقيقية لهذا الاتفاق، يجب العودة إلى السياق التاريخي للأزمة السورية التي اندلعت في عام 2011. لقد أدت هذه الأزمة إلى سنوات من الصراع المدمر، وتشريد الملايين، وتفتت النسيج الاجتماعي والسياسي للبلاد. في خضم هذا الصراع، برزت قوات سورية الديمقراطية (قسد) كقوة رئيسية في شمال وشرق سورية، مدعومة من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ولعبت دوراً محورياً في مكافحة تنظيم داعش الإرهابي وتحرير مناطق واسعة منه. لطالما كانت العلاقة بين الحكومة السورية وقسد معقدة، تتراوح بين التوتر والمواجهات المتقطعة، وبين محاولات التفاوض غير المباشرة. هذا الاتفاق يمثل تحولاً نوعياً في هذه العلاقة، ويشير إلى رغبة الطرفين في تجاوز خلافات الماضي والعمل نحو مستقبل موحد.
حقوق الأكراد: تصحيح مظالم تاريخية
بالنسبة للشعب الكردي، الذي كان لتضحياته الاستثنائية وصموده الراسخ دور محوري في الدفاع عن سورية في مواجهة التطرف وحماية الفئات الأكثر ضعفاً، تحمل هذه اللحظة أهمية خاصة وتاريخية. ويشكل التنفيذ الأخير للمرسوم الرئاسي رقم (13) خطوة تحولية نحو تحقيق المساواة وتعزيز الشعور بالانتماء. هذا المرسوم أعاد الجنسية السورية كاملة لمن تضرروا سابقاً بفعل سياسات الإقصاء التاريخية، واعترف باللغة الكردية كلغة وطنية إلى جانب العربية، وأتاح تدريسها في المناطق المعنية، وكرّس ضمانات للحماية من التمييز. هذه الإجراءات تسهم في تصحيح مظالم تاريخية طال أمدها، وتؤكد المكانة الأصيلة للأكراد ضمن النسيج الوطني السوري، وتفتح آفاق مشاركتهم الكاملة في صياغة مستقبل آمن ومزدهر وشامل للجميع.
التأثيرات المتوقعة للاتفاق: محلياً، إقليمياً، ودولياً
على الصعيد المحلي، يُتوقع أن يساهم هذا الاتفاق في تعزيز الاستقرار في المناطق الشمالية والشرقية من سورية، وتقليل احتمالات النزاعات الداخلية، مما يمهد الطريق لإعادة الإعمار وعودة النازحين واللاجئين. كما أنه يعزز من فرص تحقيق مصالحة وطنية أوسع، من خلال دمج مختلف المكونات السورية في إطار دولة موحدة. أما إقليمياً، فقد يثير الاتفاق ردود فعل متباينة، خاصة من دول الجوار مثل تركيا التي لديها مخاوف تاريخية وأمنية تتعلق بوضع الأكراد في سورية. ومع ذلك، يمكن أن يساهم في تخفيف حدة التوترات الإقليمية إذا ما تم تنفيذه بنجاح وبشفافية. دولياً، يُنظر إلى هذا التطور كخطوة إيجابية نحو حل سياسي شامل للأزمة السورية، بما يتماشى مع قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، مثل القرار 2254 الذي يدعو إلى عملية سياسية بقيادة سورية. كما أنه يعكس استمرار الدور الأمريكي في دعم الحلول الدبلوماسية، حتى في ظل تعقيدات المشهد السوري.
إن هذا الاتفاق، وما يرافقه من خطوات لتعزيز حقوق الأقليات، يمثل بارقة أمل حقيقية نحو بناء سورية جديدة، قوية بوحدتها وتنوعها، وقادرة على تجاوز تحديات الماضي والمضي قدماً نحو مستقبل يسوده السلام والعدالة لجميع أبنائها.


