spot_img

ذات صلة

العيسى في دافوس 2026: دعوة عالمية للسلام والتعايش

صورة الدكتور محمد العيسى في منتدى عالمي

في حدث عالمي بارز يؤكد على الأهمية المتزايدة للحوار بين الأديان والثقافات، اختار منتدى دافوس 2026، المنصة العالمية الرائدة التي تجمع قادة العالم لمناقشة التحديات الملحة، فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ورئيس هيئة علماء المسلمين، لإلقاء الكلمة الختامية للمشاركة الدينية والفكرية. هذا الاختيار يعكس التقدير الدولي لدور الدكتور العيسى وجهود رابطة العالم الإسلامي في تعزيز قيم التسامح والتعايش والسلام على مستوى العالم.

يُعد المنتدى الاقتصادي العالمي، المعروف بقمة دافوس، تجمعاً سنوياً فريداً يضم رؤساء الدول والحكومات، وكبار رجال الأعمال، وقادة المنظمات الدولية والمجتمع المدني، والأكاديميين، والإعلاميين من جميع أنحاء العالم. تأسس المنتدى عام 1971 على يد كلاوس شواب، ويهدف إلى تحسين حالة العالم من خلال إشراك القادة في صياغة الأجندات العالمية والإقليمية والصناعية. لطالما كانت القضايا الاقتصادية والسياسية هي المحور الرئيسي للمناقشات، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تزايداً في الاعتراف بأهمية الأبعاد الاجتماعية والثقافية والدينية في معالجة التحديات العالمية المعقدة، مثل الصراعات، والتطرف، والتغير المناخي، واللامساواة. في هذا السياق، تبرز أهمية المشاركة الدينية والفكرية كعنصر حيوي لتقديم منظور أخلاقي وإنساني يعزز قيم التفاهم المشترك والتعاون.

تأتي دعوة الدكتور العيسى، الذي يُعرف بجهوده الدؤوبة في نشر رسالة الإسلام الوسطي والاعتدال، لتسليط الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه رابطة العالم الإسلامي كمنظمة إسلامية عالمية مستقلة. تأسست الرابطة في عام 1962، وتتخذ من مكة المكرمة مقراً لها، وتعمل على توضيح الصورة الحقيقية للإسلام، وتعزيز التفاهم بين الشعوب، ومواجهة الأفكار المتطرفة. تحت قيادة الدكتور العيسى، شهدت الرابطة تحولاً كبيراً، حيث أصبحت جسراً للتواصل الحضاري، وأطلقت العديد من المبادرات التي تهدف إلى بناء السلام وتعزيز التعايش السلمي بين أتباع الأديان والثقافات المختلفة، مما أكسبها احتراماً وتقديراً واسعاً على الساحة الدولية.

خلال كلمته الختامية في دافوس 2026، استعرض فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى عدداً من المبادرات والبرامج والتجارب الناجحة التي قادتها رابطة العالم الإسلامي حول العالم. وقد ركز على نماذج بارزة كان لها أثر إيجابي ملموس في تعزيز السلام والتفاهم. من أبرز هذه المبادرات، أشار الدكتور العيسى إلى مبادرة الرابطة التي لاقت ترحيباً ودعماً من الأمم المتحدة في مقرها بنيويورك، والتي حملت عنوان «بناء جسور التفاهم والتعاون بين الشرق والغرب». هذه المبادرة لم تكن مجرد دعوة نظرية، بل مثّلت أول مبادرة دولية شاملة ذات برامج تنفيذية تهدف إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة حول حتمية الصدام والصراع الحضاري. هذه المفاهيم كانت ولا تزال من أبرز الأسباب التي تغذي ممارسات الكراهية وتؤدي إلى نتائج خطرة على الأمن والسلم العالميين. من خلال هذه المبادرة، سعت الرابطة إلى تفكيك الروايات التي تصور الحضارات ككيانات متصارعة بطبيعتها، وتقديم بديل يقوم على الحوار والتعاون المتبادل.

وأكد فضيلته أن الإسلام، مع كونه في الأصل عقيدة توحيدية، هو أيضاً تشريع شامل في إطار أخلاقي ينظر إلى الإنسان بوصفه كائناً مكرماً ومسؤولاً عن أقواله وأفعاله وخياراته كافة. هذه النظرة الشمولية للإنسان تضع العدل كقيمة أساسية لضمان الاستقرار الاجتماعي وحماية كرامة الإنسان وحقوقه، دون أي تمييز قائم على العرق أو الانتماء الديني. كما أوضح الدكتور العيسى أن الرحمة تحضر في عمق الرؤية الإسلامية بوصفها قيمة إنسانية محورية، توجه التعامل مع الإنسان ومع الاختلاف بطريقة أخلاقية متوازنة. وشدد على أن الإسلام يدعو إلى السلم والتسامح باعتبارهما أساساً للعلاقات الإنسانية السوية، حيث ينظر إلى التعايش بوصفه الأصل لا الاستثناء. هذه المبادئ ليست مجرد تعاليم دينية، بل هي أسس لبناء مجتمعات مستقرة ومزدهرة، وتوفر إطاراً أخلاقياً للتعامل مع التحديات العالمية المعاصرة.

من هذا المنطلق، يلتقي الإسلام مع المبادئ الإنسانية المشتركة التي يتبناها العالم المعاصر، كما في ميثاق الأمم المتحدة وما تفرع عنه من قوانين وأعراف ومبادئ دولية تركز على صون الكرامة الإنسانية وضبط العلاقات وتهذيب السلوك. وهو ما عبر عنه الإسلام بمبدأ: «إتمام مكارم الأخلاق». هذا التوافق يؤكد على أن القيم الإسلامية الأصيلة تتناغم مع الجهود الدولية الرامية إلى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً، ويوفر أرضية مشتركة للحوار والتعاون بين مختلف الثقافات والأديان.

كما أوضح الدكتور العيسى أن رابطة العالم الإسلامي عملت على تجسير العلاقة بين مختلف المذاهب الإسلامية، وإيضاح النظرة الإسلامية الحضارية في التعامل مع عالمنا بتنوعه الديني والإثني والثقافي. وقد تجسدت هذه الجهود في (وثيقة مكة المكرمة) التاريخية، التي أقرها أكثر من 1200 مفتٍ وعالم من مختلف المذاهب الإسلامية في مكة المكرمة، ثم حظيت بإقرار ودعم 57 دولة عضواً في منظمة التعاون الإسلامي. هذه الوثيقة تمثل إعلاناً عالمياً للمسلمين يؤكد على قيم الاعتدال والتسامح والتعايش، وتتناول عدداً من القضايا المهمة؛ كالأُسرة والتعليم والبيئة والمواطنة والتعايش. وقد أكدت الوثيقة أن المسلمين جزء فاعل من هذا العالم بتفاعله الحضاري، يسعون إلى التواصل مع جميع مكوناته لتحقيق صالح البشرية، وأن الاختلاف في العقائد والأديان والمذاهب حتمية كونية، وأن البشر متساوون في إنسانيتهم وينتمون إلى أصل واحد. كما نبهت الوثيقة إلى أهمية الحوار الحضاري بوصفه أفضل السبل للتفاهم بين عالم متنوع، والتعرف على المشتركات، وتجاوز معوقات التعايش. ومن النقاط الجوهرية التي شددت عليها الوثيقة هي براءة الأديان والمذاهب من أخطاء أو جرائم معتنقيها أو من ينتحلها، وعدم جواز الربط بين الدين وتلك الأخطاء أو الجرائم، وهو ما يمثل رداً حاسماً على محاولات تشويه صورة الإسلام وربطه بالتطرف. إضافة إلى ذلك، تعمل الرابطة على تدريب أعداد كبيرة من الأئمة حول العالم على مضامين هذه الوثيقة، إلى جانب (وثيقة بناء الجسور بين المذاهب الإسلامية)، لضمان نشر هذه المبادئ على أوسع نطاق.

وفي ختام كلمته، أكد الدكتور العيسى على أهمية التضامن العالمي بين جميع المؤسسات المحبة للسلام؛ لتعزيز الصداقة والتعاون بين الأمم والشعوب. ودعا إلى تفعيل هذا التضامن من خلال مبادرات وبرامج مشتركة فاعلة، يمكن قياس أثرها وتطويرها على نحو مستدام. إن مشاركة الدكتور العيسى في دافوس 2026، وإلقائه الكلمة الختامية للمشاركة الدينية والفكرية، لا يمثل تكريماً لشخصه ولرابطة العالم الإسلامي فحسب، بل هو أيضاً اعتراف عالمي بالدور الحيوي الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات الدينية المعتدلة في صياغة مستقبل عالمي أكثر سلاماً وتفهماً، وتأكيد على أن الحوار والتعاون هما السبيل الأمثل لمواجهة التحديات المشتركة التي تواجه البشرية.

spot_imgspot_img