شكل الرحيل المفاجئ والمأساوي لـ الشاعر محمد أبو العزايم صدمة موجعة في الأوساط الثقافية والأدبية، وذلك بعدما لقي حتفه إثر حادث سير مروع لدراجة نارية أثناء استقلاله مركبة تابعة لإحدى شركات النقل الذكي. والمفارقة المؤلمة في هذا الحادث المفجع هي أن الشاب الراحل استشعر دنو أجله في لحظاته الأخيرة وهو على فراش المستشفى، حيث طلب التواصل مع والدته ليودعها في مشهد إنساني يختزل كل معاني قسوة الفقد وألم الوداع.
اللحظات الأخيرة في حياة الشاعر محمد أبو العزايم
وفي سرد إنساني مفعم بالمشاعر الصادقة، كشفت طبيبته النفسية الدكتورة منى قابيل، التي جمعتها به علاقة إنسانية وثيقة تجاوزت حدود الطب، تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياته عبر منشور مؤثر على منصة «فيسبوك». وأوضحت أن الشاب تواصل معها قائلاً بيقين لافت ومخيف: «أنا أموت». وروت أن مساء الأربعاء الماضي، قرابة الساعة الثامنة والنصف، بدا كل شيء عادياً؛ كان محمد عائداً من عمله كصيدلي، يستقل دراجة نارية تابعة لتطبيق «أوبر» خلف السائق، قبل أن ينقلب المشهد في لحظة قاسية إلى حادثة قد تبدو عابرة للمارة، لكنها كانت النهاية التي لم يتوقعها أحد.
وأضافت الدكتورة منى أن سيارة الإسعاف وصلت سريعاً ونُقل المصابان إلى المستشفى، حيث ظل محمد على قيد الحياة بأنفاس واهنة. وعلى الرغم من أن حالته الصحية بدت مستقرة ظاهرياً في البداية، إلا أن نزيفاً داخلياً صامتاً كان يتفاقم في جسده، حتى أودى بحياته في هدوء قاسٍ في الليلة نفسها، دون أن يمنح أحباءه فرصة الوداع الأخير. وأشارت إلى أنه شعر باقتراب الرحيل، إذ أخبرها قبل ذلك بيومين بأنه سيرحل. حاولت تهدئته، لكنها صدّقت حدسه الذي لم يخب من قبل، وهو ما دفعه للاتصال بوالدته ليودعها ويوصيها بنفسها.
ظاهرة حوادث النقل الذكي وتأثيرها المجتمعي
يأتي هذا الحادث المأساوي في وقت تتزايد فيه النقاشات المجتمعية حول معايير السلامة والأمان في وسائل النقل الذكي، خاصة الدراجات النارية التي أصبحت وسيلة تنقل شائعة وسريعة في الشوارع المزدحمة. تاريخياً، شهدت السنوات الأخيرة طفرة في الاعتماد على هذه التطبيقات لتسهيل الحركة اليومية، إلا أن الحوادث المتكررة التي يروح ضحيتها شباب في مقتبل العمر تسلط الضوء على ضرورة تشديد الرقابة وتطبيق معايير صارمة لحماية الركاب. إن فقدان الكفاءات الشابة في مثل هذه الحوادث يترك أثراً بالغاً في نسيج المجتمع، ويدق ناقوس الخطر لمراجعة سياسات السلامة المرورية.
خسارة فادحة للمشهد الثقافي والأدبي
يمثل رحيل المبدعين الشباب خسارة فادحة للمشهد الثقافي المحلي والإقليمي، حيث يفقد الأدب أصواتاً طازجة قادرة على التعبير عن هموم الجيل الحالي وتطلعاته. وتحدثت الدكتورة منى قابيل عن الراحل بصدق مؤثر، قائلة إنه لم يكن مجرد صديق، بل كان أخاً حقيقياً، وإنساناً رقيقاً وعميق الإحساس، يرى ما لا يراه الآخرون ويتألم له. ورغم ما مر به من نوبات اكتئاب، فإن جرحه الأشد كان في خيباته من أقرب الناس إليه. وأكدت أنه لم يكن شاعراً عابراً، بل كان صوتاً صادقاً يحمل وجعاً إنسانياً حقيقياً، ويسعى باستمرار لفهم العالم دون أن يفسده.
واختتمت كلماتها بوداع مؤلم: «رحل محمد بخفة من يدرك أن للكلمات وزناً يفوق الجبال، تاركاً خلفه قصائد لم تُكتب بعد، كان يخشى عليها من عيون لا ترى سوى الحبر، وتغفل القلب الذي ينزف خلفه». يُذكر أن الراحل عُرف بأسلوبه العذب وقصائده الوجدانية التي تمس المشاعر ببساطة وعمق، بعيداً عن المبالغة والتكلف. ومن أبرز أعماله المطبوعة ديوان «عند احمرار المواقيت»، الذي سيبقى شاهداً على موهبة شعرية فذة انطفأت قبل أوانها، تاركة إرثاً أدبياً سيظل يذكره به محبو الشعر والأدب.


