spot_img

ذات صلة

وفاة فيصل النعمان مؤذن المسجد النبوي.. رحيل الصوت الشجي

الشيخ فيصل النعمان مؤذن المسجد النبوي

فقدت المدينة المنورة وأروقة المسجد النبوي الشريف، مساء يوم الإثنين 22 ديسمبر 2025، أحد أبرز أصواتها الندية، الشيخ فيصل بن عبدالملك النعمان، الذي وافته المنية إثر وعكة صحية، تاركاً خلفه إرثاً صوتياً خالداً في ذاكرة الزوار والمصلين، وحزناً عميقاً خيم على طيبة الطيبة.

عائلة النعمان.. تاريخ عريق في المكبرية

لا يمكن الحديث عن الشيخ فيصل النعمان بمعزل عن السياق التاريخي العريق لعائلته التي ارتبط اسمها ارتباطاً وثيقاً بمآذن الحرم النبوي الشريف لعقود طويلة. فالمكبرية في المسجد النبوي ليست مجرد مكان لرفع الأذان، بل هي مدرسة توارثتها عائلات مدنية عريقة حافظت على الأداء الحجازي الأصيل. ويعد الشيخ فيصل امتداداً لهذا الغرس المبارك، فهو نجل المؤذن الشهير الشيخ عبدالملك النعمان، وحفيد الشيخ مصطفى نعمان الذي شغل منصب رئيس المؤذنين سابقاً. هذا التسلسل العائلي جعل من صوت “فيصل” جسراً يربط بين أصالة الماضي وروحانية الحاضر، محافظاً على المدرسة المدنية في الأداء التي تميزت بالخشوع والسكينة.

مسيرة النشأة والتدريب على المقامات الحجازية

ولد الفقيد في رحاب المدينة المنورة، ونشأ في بيئة تتنفس حب القرآن وتعظيم شعائر الله. تلقى تعليمه الأكاديمي في مدارس المدينة حتى نال شهادته الجامعية من جامعة طيبة، إلا أن تعليمه الروحي والمهني كان داخل منزله. تتلمذ الشيخ فيصل على يد والده وجده، حيث تدرب بجدية متناهية على مخارج الحروف وإتقان المقامات الحجازية التي تميز أذان الحرمين الشريفين. ولم يكتفِ بالتدريب النظري، بل بدأ مسيرته العملية برفع الأذان في عدد من مساجد المدينة المنورة لاكتساب الخبرة والثقة، مما أهله لاحقاً لنيل شرف اعتلاء مكبرية المسجد النبوي.

التعيين الرسمي والأثر الروحي

توجت مسيرة الشيخ فيصل النعمان بصدور قرار تعيينه مؤذناً رسمياً في المسجد النبوي الشريف عام 1438هـ (2017م). ومنذ تلك اللحظة، أصبح صوته علامة فارقة تبعث الطمأنينة في نفوس ملايين الحجاج والمعتمرين. تميز أداؤه بالعذوبة والرخامة، مبتعداً عن التكلف، مما جعل نداء “الله أكبر” بصوته يخترق القلوب قبل الآذان. لم يترك الشيخ مؤلفات مكتوبة، لكنه ترك ما هو أعمق؛ لحظات روحانية عاشها المصلون مع صوته في صلوات الفجر والمغرب، حيث كان صوته ينسجم مع هدوء المدينة وسكينتها، مشكلاً جزءاً من الذاكرة السمعية للمكان المقدس.

الوداع الأخير في البقيع

وسط مشاعر من الحزن والأسى، ودع أهالي المدينة المنورة وزملاء الفقيد في الرئاسة العامة لشؤون المسجد النبوي الشيخ فيصل النعمان. وقد ضجت منصات التواصل الاجتماعي بعبارات النعي والدعاء، مستذكرين صوته الذي طالما صدح بالحق. ووري جثمانه الثرى في بقيع الغرقد، مجاوراً لآل بيت النبوة والصحابة، ليبقى صوته حياً في التسجيلات وتظل سيرته العطرة صفحة مضيئة في تاريخ مؤذني المسجد النبوي الشريف.

spot_imgspot_img