تشهد الساحة السودانية تطورات عسكرية وسياسية متسارعة، حيث تتوالى انشقاقات قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، لتكشف عن تصدعات عميقة في بنية هذه القوات. وفي أحدث هذه الضربات، أعلنت مصادر سودانية مطلعة عن انشقاق القيادي البارز فارس النور إبراهيم، الذي كان يشغل منصب عضو المجلس الرئاسي بـ “تحالف تأسيس” وحاكم ولاية الخرطوم المعين من قبل حميدتي، مما يمثل خسارة استراتيجية فادحة للمليشيا في وقت حرج من الصراع المستمر في البلاد.
أبعاد وتأثيرات انشقاقات قوات الدعم السريع المتتالية
يُعتبر فارس النور إبراهيم أحد الأعمدة الرئيسية في الهيكل القيادي والسياسي لقوات الدعم السريع، حيث عمل مستشاراً مقرباً لحميدتي لسنوات طويلة. ويأتي انشقاقه في وقت تعاني فيه القوات من تراجع ميداني ملحوظ وضغوط عسكرية متزايدة من الجيش السوداني. يرى مراقبون أن هذا الانشقاق ليس مجرد حدث عابر، بل هو مؤشر على تصدع الجبهة الداخلية للدعم السريع وفقدان الثقة بين القيادات العليا، خاصة مع تزايد الانتهاكات والجرائم المنسوبة للقوات في المناطق الخاضعة لسيطرتها، مما أثار غضب الحواضن القبلية والاجتماعية التي كانت تدعمها في السابق.
تاريخ من الانشقاقات: خمس ضربات متتالية في جسد المليشيا
لا يعد انشقاق فارس النور الحدث الأول من نوعه، بل هو الحلقة الخامسة في سلسلة من الانشقاقات الكبرى التي ضربت صفوف الدعم السريع مؤخراً. ففي مايو الماضي، انشق القيادي بشارة الهويرة، مسؤول العمليات العسكرية بمحور منطقة بارا في شمال كردفان. وسبقه في أبريل القيادي علي رزق الله المعروف بـ “السافنا”، الذي انضم بقواته إلى الجيش السوداني في عطبرة. وفي فبراير، أعلن النور آدم “النور القبة” انشقاقه ومغادرته شمال دارفور للالتحاق بالجيش. ولعل الضربة الأكثر إيلاماً كانت انشقاق أبو عاقلة كيكل، قائد قوات الدعم السريع في ولاية الجزيرة، والذي شكل تحولاً استراتيجياً كبيراً لصالح الجيش السوداني نظراً لنفوذه الميداني الواسع في وسط السودان.
السياق التاريخي للصراع ومستقبل المشهد السوداني
يعود جذور الصراع الحالي في السودان إلى منتصف أبريل 2023، إثر خلافات حادة حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش السوداني ضمن خطة الانتقال الديمقراطي. ومنذ ذلك الحين، دخلت البلاد في نفق مظلم من الحرب التي دمرت البنية التحتية وهجرت الملايين. وتأتي هذه الانشقاقات المتلاحقة لتعزز موقف الجيش السوداني على الصعيدين المحلي والدولي، وتضعف من الموقف التفاوضي للدعم السريع في أي محادثات سلام مستقبلية. إقليمياً ودولياً، تترقب القوى الكبرى والمنظمات الأممية هذه التحولات، حيث قد تسهم هشاشة الدعم السريع الداخلية في تسريع وتيرة إنهاء الحرب، أو على العكس، قد تؤدي إلى تفتت القوات إلى مجموعات مسلحة غير منضبطة تزيد من تعقيد المشهد الأمني في منطقة القرن الإفريقي والساحل.


