spot_img

ذات صلة

هروب العاملات قبل رمضان: مخاطر وسوق سوداء تهدد الأسر

مع اقتراب شهر رمضان المبارك من كل عام، تعود ظاهرة هروب العاملات المنزليات لتؤرق العديد من الأسر في المملكة العربية السعودية، وهي مشكلة متجذرة تتحول إلى أزمة موسمية رغم الجهود المبذولة لتنظيم هذا القطاع الحيوي. وتستغل شبكات منظمة من السماسرة هذا التوقيت الذي يزداد فيه الطلب على العمالة المنزلية بشكل كبير، لإنشاء سوق سوداء تدر عليهم أرباحاً طائلة، بينما تعرض الأسر التي تلجأ إليها لمخاطر جسيمة.

خلفية الظاهرة: اعتماد مجتمعي وطلب متزايد

يعتمد المجتمع السعودي، كغيره من مجتمعات الخليج، بشكل كبير على العمالة المنزلية للمساعدة في إدارة شؤون المنزل ورعاية الأطفال وكبار السن. ويزداد هذا الاعتماد بشكل ملحوظ خلال شهر رمضان، حيث تتغير طبيعة الحياة اليومية وتزداد الأعباء المنزلية المتعلقة بتحضير وجبات الإفطار والسحور واستقبال الضيوف. هذا الارتفاع الحاد في الطلب يخلق بيئة خصبة للسماسرة الذين يغوون العاملات بالهرب من كفلائهن النظاميين، ويعرضون عليهن رواتب خيالية قد تتجاوز خمسة آلاف ريال، مقارنة برواتبهن التعاقدية التي لا تتجاوز ألفي ريال في الغالب.

شبكات السماسرة: وقود السوق الخفية

تقف خلف هذه الظاهرة شبكات منظمة تدير سوقاً موازية وغير قانونية. يستهدف السماسرة العاملات في الأماكن العامة كالأسواق والمجمعات التجارية، ويقدمون لهن وعوداً براقة بزيادة الدخل وساعات عمل أقل. وكما كشف تحقيق صحفي، فإن هؤلاء السماسرة، الذين غالباً ما يكونون من نفس جنسية العاملات، يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصال الحديثة للإعلان عن خدماتهم وتنسيق عمليات الهروب وتوفير المأوى المؤقت للعاملات قبل توزيعهن على أسر جديدة بنظام العمل اليومي أو الشهري وبأسعار مضاعفة.

في إحدى الحالات الموثقة، طلبت سمسارة مبلغ 3000 ريال مقابل عمل العاملة لشهر واحد فقط، بالإضافة إلى 500 ريال كعمولة لها و50 ريالاً للسائق، معترفة بأن العاملة دخلت البلاد بطريقة غير نظامية، مما يكشف حجم المخاطرة التي تقبل بها بعض الأسر تحت ضغط الحاجة.

مخاطر متعددة الأوجه تهدد الأسر

حذرت الجهات الأمنية وخبراء أمنيون مراراً من أن إيواء أو تشغيل العمالة الهاربة ليس مجرد مخالفة إدارية، بل هو باب لمخاطر قد تكون كارثية. وأوضح اللواء المتقاعد حسين يحيى الحارثي أن هذه المخاطر تشمل:

  • المخاطر الأمنية والجنائية: تجهل الأسرة تماماً الخلفية الجنائية أو السلوكية للعاملة الهاربة، مما يفتح الباب أمام جرائم كالسرقة، أو الاعتداء، أو حتى جرائم أكبر، حيث قد تكون العاملة جزءاً من شبكة إجرامية.
  • المخاطر الصحية: العاملات في السوق السوداء لا يخضعن للفحوصات الطبية الدورية الإلزامية، مما يزيد من احتمالية نقلهن للأمراض المعدية إلى أفراد الأسرة، خاصة الأطفال وكبار السن.
  • المخاطر الاجتماعية والأخلاقية: قد تحمل العاملة عادات أو سلوكيات غريبة أو غير أخلاقية تؤثر سلباً على بيئة المنزل وأفراد الأسرة.

عقوبات صارمة وغرامات باهظة

لمواجهة هذه الظاهرة، شددت المملكة قوانينها وفرضت عقوبات رادعة على كل من يشارك في هذه المخالفة، سواء كان فرداً أو منشأة. وأكدت المستشارة القانونية ندى العتيبي أن العقوبات تشمل:

  • غرامة مالية تصل إلى 100 ألف ريال.
  • السجن لمدة تصل إلى ستة أشهر.
  • الحرمان من الاستقدام لمدة تصل إلى خمس سنوات.
  • الترحيل للمقيم الذي يقوم بتشغيل أو إيواء العمالة المخالفة.

وأشارت المديرية العامة للجوازات إلى أن هذه العقوبات تتعدد بتعدد المخالفين، ودعت المواطنين والمقيمين إلى الإبلاغ الفوري عن العمالة المخالفة وعدم التعامل معها، واستخدام القنوات الرسمية فقط، مثل منصة “أبشر” لتسجيل بلاغات التغيب عن العمل.

شهادات من الواقع: معاناة مستمرة

تتكرر معاناة الأسر سنوياً، حيث يقول حسين الشهري إن الأسر تلتزم بالإجراءات النظامية وتتحمل تكاليف الاستقدام الباهظة، لتفاجأ بهروب العاملة قبل الموسم مباشرة، مطالباً بوجود ضمانات مالية من مكاتب الاستقدام. فيما ترى نجلاء الغامدي أن بعض الأسر لا تدرك حجم الخطر، وتلجأ للحلول السريعة غير القانونية، متجاهلة العواقب الوخيمة المحتملة.

spot_imgspot_img