عاشت مدينة جدة ليلة استثنائية من ليالي الوفاء، احتفاءً بمسيرة أديب راحل ترك بصمة لا تُمحى في المشهد الثقافي العربي. تحت عنوان «التلويحة الأخيرة»، أقيمت فعالية تكريمية للدكتور سعيد السريحي، المعروف بـ «أبو إقبال»، برعاية مبادرة «عبق الثقافة». لم تكن هذه الليلة مجرد استعادة للذكريات، بل شهدت انطلاقة جديدة لإرثه الثقافي عبر الإعلان عن «جائزة الدكتور سعيد السريحي للدراسات الأدبية والنقدية»، لتكون منارة تربط جيل الشباب بمدرسة السريحي النقدية التي لا تعرف القيود.
الدكتور سعيد السريحي: قامة نقدية وأدبية رائدة
يُعد الدكتور سعيد السريحي (1954-2022) أحد أبرز النقاد والأدباء السعوديين الذين أثروا الساحة الثقافية العربية بعمق فكره وجرأة طرحه. وُلد السريحي في حي الرويس بجدة، وبدأ شغفه بالمعرفة منذ صغره، حيث كان يشتري الكتب بمصروفه الأسبوعي، ليتحول لاحقًا إلى قامة نقدية تجاوزت المحلية لتصبح رمزًا عربيًا كبيرًا. لم يكن مجرد ناقد أكاديمي، بل كان شاعرًا وإعلاميًا بارعًا، تميز بقدرته على قراءة النص وكشف المسكوت عنه، متمسكًا برؤيته التي يكتبها دائمًا “خارج الأقواس”. كانت مقالاته في صحيفة “عكاظ” تحت عنوان “ولكم الرأي” على مدى أكثر من 28 عامًا، منبرًا للمبدعين الشباب وساحة للنقاش النقدي الجاد، مما جعله معلمًا ورئيسًا وقامة ثقافية لا تُنسى. لقد أسهم السريحي في تشكيل وعي نقدي لدى أجيال من القراء والباحثين، مؤكدًا أن النقد ليس مجرد تحليل، بل هو رؤية عميقة تتجاوز الظاهر إلى جوهر الإبداع.
جائزة الدكتور سعيد السريحي: استمرار لمسيرة النقد المتجدد
يمثل الإعلان عن جائزة الدكتور سعيد السريحي للدراسات الأدبية والنقدية خطوة نوعية نحو تعزيز الحراك النقدي العربي ودعم الباحثين لتقديم دراسات تتسم بالعمق والجرأة. تهدف الجائزة إلى تحفيز الأجيال الجديدة على الانخراط في مجال النقد الأدبي، وربطهم بمنهج السريحي الذي أفنى حياته في قراءة النصوص وكشف أبعادها الخفية. يرى المثقفون في هذه الجائزة امتدادًا حقيقيًا لمنهج السريحي الذي كان دائمًا يدعو إلى التفكير النقدي المستقل والتحرر من القوالب الجاهزة. إنها ليست مجرد جائزة تقديرية، بل هي دعوة لتجديد الفكر النقدي وتطويره، بما يخدم الأدب العربي ويثريه، ويضمن استمرارية إرث قامة بحجم الدكتور سعيد السريحي.
ليلة وفاء مؤثرة: شهادات من القلب ودموع الحضور
شهدت الليلة التكريمية لحظات عاطفية مؤثرة، أبرزها بث قصيدة مسجلة لزوجة الراحل الشاعرة عائشة النعيمي، عبرت فيها عن صدق إحساسها وفقدانها لرفيق العمر. شاركت بصوتها في تسجيل لامس شغاف القلوب بعفويته وصدقه، مجسدة تلك العلاقة الاستثنائية التي جمعت الزوجين لسنوات طويلة. فور صمت الصوت، ضجت القاعة بتصفيق حار وطويل امتزج بدموع الحاضرين الذين استشعروا عمق الوفاء في كلمات شريكة الدرب. كما قدم رفيق درب الراحل، الكاتب والشاعر والإعلامي هاشم الجحدلي، ندوة ثقافية ثرية أكد فيها أن الحديث عن السريحي يطول، فهو معلم ورئيس وقامة تجاوزت المحلية لتصبح رمزًا عربيًا كبيرًا، مشددًا على أن “التلويحة” هي إعادة تذكير بأن أثره باقٍ في وجدان كل المهتمين بالشأن الثقافي. واستعرضت الدكتورة صلوح السريحي ملامح من طفولة أخيها سعيد، مؤكدة مدى تأثير وجوده وغيابه على عالم العائلة، واصفة إياه بالأخ والمعلم والكريم والحكيم والإنسان الذي شكل غيابه فراغًا كبيرًا في وجدان أسرته كما كان في وجدان الثقافة العربية. أما رئيس مجلس إدارة جمعية الأدب الدكتور حسن النعمي، فقد استعرض أهم التقاطعات التي جمعته بالسريحي منذ دخوله الساحة الثقافية وحتى رحيله، مشيرًا إلى أن السريحي غادر عالمنا لكنه لم يودع ذاكرتنا أبدًا، معتبرًا أن مساندة السريحي في انطلاق مجلة “بيادر” الصادرة عن نادي أبها الأدبي كانت أهم ملامح دعمه اللامحدود لكل فعل ثقافي حقيقي.
إرث ثقافي يتجاوز الزمان والمكان
لقد استعرض المشاركون في الليلة محطات من حياة الدكتور سعيد السريحي التي انطلقت من بين أزقة حي الرويس بجدة؛ ذلك الطفل الذي كان يشتري الكتب بمصروفه الأسبوعي ليصبح واحدًا من أهم نقاد العالم العربي وسادنًا للثقافة في صحيفة “عكاظ” لأكثر من 28 عامًا، وداعمًا أول للمبدعين الشباب عبر زاويته الشهيرة “ولكم الرأي”. انتهت الليلة ليبقى صدى الكلمات حيًا، مؤكدًا أن السريحي لم يغادرنا، بل ترحّل ليرتاح تاركًا خلفه جائزة تحمل اسمه وقصيدة وفاء وشهادات رفاق درب ستبقى محفورة في ذاكرة الثقافة السعودية والعربية. إن مثل هذه المبادرات التكريمية لا تقتصر على الاحتفاء بشخصية فحسب، بل هي استثمار في المستقبل الثقافي، وتأكيد على أن الأمم الحية هي التي تحتفي بمبدعيها وتحافظ على إرثهم الفكري والأدبي للأجيال القادمة.


