spot_img

ذات صلة

الدكتور سعيد السريحي: مسيرة مثقف عضوي رائد في السعودية

الدكتور سعيد السريحي

لم يكن الراحل الدكتور سعيد مصلح السريحي مجرد رقم عابر في سجلات الأدب العربي، بل كان يمثل نموذجاً فريداً للمثقف العضوي الذي لا يكتفي بالتنظير، بل ينزل إلى معترك الحياة ليصنع التغيير. لم يتزين ظاهرياً بالثقافة، بل آمن إيماناً عميقاً بدورها المحوري في تأصيل الهوية الوطنية، وتعزيز الانتماء، وانفتاح الوعي المجتمعي، وارتقاء الذائقة العامة. على مدار نصف قرن من الزمان، قضى السريحي حياته وهو ينحت بالكلمة في صخر التحديات، متجاوزاً العوائق والمنغصات بابتسامة الواثق، ومؤمناً بأن هذه الصعاب هي أدوات ضرورية لشحذ الهمم وتخليد المنجزات الثقافية.

السياق التاريخي: ريادة الحداثة ومواجهة التحديات

برز اسم سعيد السريحي في فترة مفصلية من تاريخ الثقافة السعودية، وتحديداً خلال حقبة الثمانينيات والتسعينيات الميلادية، وهي الفترة التي شهدت مخاضاً عسيراً لولادة تيار الحداثة الأدبية في المملكة العربية السعودية. في ذلك الوقت، قارع أبو إقبال بصدر مكشوف التيارات المتشددة والظلاميين الذين حاولوا كبح جماح التجديد. وقد تجلى هذا الصراع في مسيرته الأكاديمية، حيث واجه تحديات كبرى بسبب منهجه النقدي الحداثي، ولكنه ظل صامداً ومتمسكاً بمبادئه التنويرية، مما جعله رمزاً من رموز حرية الفكر والتعبير في المشهد الثقافي السعودي والعربي.

مسيرة حافلة بالعطاء في الصحافة والأدب

عاش أبو إقبال حياة زاخرة بالمعرفة والعطاء المستمر على مستويات متعددة. في مجال التعليم العام والأكاديمي، أسهم في تخريج أجيال من المفكرين والأدباء. أما في ميدان الصحافة، فقد وسّع آفاق الصحافة الثقافية السعودية، جاعلاً منها منبراً للحوار الفكري المفتوح. لم يقتصر إبداعه على مجال واحد، بل تنوعت إسهاماته لتشمل كتابة القصيدة الشعبية، والكسرة، والزجل، والشعر الفصيح، وشعر التفعيلة، وصولاً إلى الرواية. كما امتدت ذائقته النقدية لقراءة اللوحات التشكيلية الأحدث، رابطاً إياها بانتمائها للمذاهب الفنية العالمية، مما يعكس شمولية موسوعيته الثقافية.

الأثر المحلي والإقليمي: مأسسة الثقافة

لم يقتصر تأثير الدكتور سعيد السريحي على الإبداع الفردي، بل امتد ليشمل العمل المؤسسي الذي يضمن استدامة الثقافة. فقد أصّل منطلقات ومعايير لمصطلحات حديثة في المشهد السعودي، مثل “التنمية الثقافية” و”المأسسة الأدبية”. وتتويجاً لمسيرته الحافلة، ترأس أخيراً مجلس إدارة جمعية الأدب المهنيّة، حيث كان يحدوه حماس كبير لتحقيق تطلعات وطموحات واسعة تخدم الأدباء والمثقفين، وتتماشى مع النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة. وقد حظي بتقدير واسع النطاق على المستويات الرسمية والشعبية، محلياً وإقليمياً ودولياً.

رحيل قامة إنسانية وثقافية

رغم كل الطموحات والمشاريع التي كان يخطط لها، كانت للأقدار كلمتها. رحل أبو إقبال في شهر شعبان الماضي، تاركاً خلفه إرثاً لا يُقدر بثمن. ومع رحيله، اكتشفت أسرته الصغيرة أن له أسرة كبيرة تمتد عبر قارات العالم، تتألف من تلاميذه، وقرائه، ومحبيه. لم تفقد المملكة العربية السعودية وحدها هذا الرمز، بل افتقدته الإنسانية جمعاء، ليبقى الدكتور سعيد السريحي اسماً خالداً في ذاكرة الثقافة العربية، وشاهداً على أن الكلمة الصادقة لا تموت.

spot_imgspot_img