spot_img

ذات صلة

الدكتور سعيد السريحي: إرث ثقافي يجمع الأدب والفن والنقد

برحيل الدكتور سعيد السريحي، تفقد الساحة الثقافية العربية قامة فكرية نادرة، جمعت بين عمق المعرفة ونبل الأخلاق ورهافة الحس الإنساني. لم يكن السريحي مجرد ناقد أو كاتب، بل كان موسوعة متنقلة، يمتلك رؤية شاملة تمتد من أصول الدين والشريعة إلى دقائق اللغة والأدب، وصولاً إلى فهم عميق للفنون البصرية وتجلياتها المختلفة. لقد كان صوته، وإن خفت الآن، يتردد صداه في أعماق الوجدان، وكلماته محفورة في الذاكرة الثقافية، شاهداً على مسيرة حافلة بالعطاء الفكري.

في سياق المشهد الثقافي العربي، الذي غالباً ما يشهد تخصصات دقيقة، برز الدكتور السريحي كنموذج فريد يكسر هذه الحواجز. ففي الوقت الذي كان فيه النقد الأدبي يركز على النصوص الشعرية والنثرية، والنقد الفني يقتصر على المتخصصين، جاء السريحي ليقدم مقاربة تكاملية، مؤكداً على الترابط الوثيق بين مختلف أشكال التعبير الإنساني. هذه الرؤية الشمولية لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج مسيرة تعليمية وبحثية معمقة، جعلت منه مرجعاً لا غنى عنه في مجالات متعددة. لقد كان يرى في الفن امتداداً طبيعياً للأدب، وفي الأدب تجسيداً للجمال الذي يتجلى في الفنون الأخرى، مما أثرى المشهد النقدي وأعاد تعريف العلاقة بين الفنون والآداب.

كان حديث الدكتور السريحي يأسر الألباب، لا بقوة الصوت، بل بعمق الفكرة وحضور الحكمة. كل كلمة تخرج منه كانت تستحق الإصغاء، وكل جملة تستقر في العقل والوجدان. كنت تتمنى ألا يسكت، وأن يطيل البقاء في فضاء الكلام، لأن حديثه لم يكن عابراً بل كان يستقر في العقل والوجدان. لقد سكت الآن طوعاً وإجباراً، وغاب الصوت، لكن المعنى لم يغب، وسيبقى ينطق في أعماقنا ووحدتنا، وستبقى كلماته عالقة في أذهاننا ووجداننا. إنه ألم الرحيل ودهشة الفراق، لكنه أيضاً إرث فكري لا يزول.

تميز السريحي بكونه موسوعياً في ثقافته، عميقاً في الدين والشريعة، عالماً باللغة، وناقداً أدبياً رصيناً، ومتذوقاً استثنائياً للفنون البصرية. كان يمتلك في هذا الحقل معرفة دقيقة ولافتة، قائمة على تفاصيل وأرقام وقراءات عميقة، تفوق أحياناً ما يمتلكه من مارس هذا الفن أو درسه أكاديمياً. كنت تشعر وأنت تستمع إليه أن مفاتيح هذا العالم كانت حاضرة لديه بوعي الباحث لا بسطحية المتلقي. هذا التمكن من مجالات معرفية متباينة جعله جسراً بين الأجيال، ومدرسة قائمة بذاتها في النقد الثقافي.

لقد خصص للفنون البصرية صفحة أسبوعية لم تكن مساحة عرض عابرة، بل كانت منبراً ثقافياً حياً، شارك فيه بفكره واقتراحاته المختلفة وبعناوينه الذكية التي رسخت في الذاكرة وصنعت وعياً بصرياً لدى القارئ. كان يتعامل مع الفن بوصفه خطاباً معرفياً لا يقل شأناً عن الأدب، ويمنح الفنان حقه من القراءة العميقة والاحترام النقدي. هذا النهج أسهم بشكل كبير في رفع مستوى الوعي الفني في المجتمع، وفتح آفاقاً جديدة للنقاش حول الفن ودوره في الحياة الثقافية.

وعلى المستوى الشخصي، كان معلماً نبيلاً استفدت منه كثيراً في كتابة العناوين، وصياغة مداخل المواد، وبناء البروفايلات الصحفية والأدبية. لم يكن تعديله للمواد جافاً، ولا توجيهه قاسياً، بل كان يبتسم ويقول بكل تهذيب: “ما رأيك أن نكتبها كذا؟”، فتدرك أن ما يقدمه توجيه مغموس بالاحترام، وليس تصحيحاً يجرح النص ويكسر صاحبه، بل لغة تحمل احتراماً عميقاً لما كتب، واقتراحات تفتح آفاقاً جديدة دون أن تلغي ما قاله. لم يعب نصاً ولم يكسر قلماً، بل كان يصحح بروح الخبير، ويقترح بأقل الشريك، ويترك للكاتب حق الاختيار. هذه السمات جعلت منه قدوة في التعامل النقدي والإنساني، وأسست لمدرسة في النقد البناء الذي يهدف إلى الارتقاء بالمحتوى دون المساس بكرامة المبدع.

إن رحيل الدكتور سعيد السريحي يترك فراغاً كبيراً في المشهد الثقافي، ليس فقط في المملكة العربية السعودية بل في العالم العربي أجمع. فقد كان صوته النقدي الرصين، وفكره المستنير، ومنهجه الأخلاقي في التعامل مع النصوص والمبدعين، بمثابة منارة للأجيال القادمة. تأثيره سيمتد ليشمل الباحثين والدارسين الذين سيجدون في أعماله مادة غنية للدراسة والتحليل، وفي منهجه قدوة للاحترافية والنزاهة. إن إرثه الفكري سيبقى حياً، يذكرنا بأن الكلمة مسؤولية، وأن النقد أخلاق قبل أن يكون أدوات.

رحل الجسد وبقي الدرس، وبقي الأثر، وبقيت طريقته ونبله وأخلاقه. سيبقى السريحي صوتاً حاضراً في الذاكرة الثقافية، وضميراً معرفياً نادراً علمنا أن الكلمة مسؤولة، وأن النقد أخلاق قبل أن يكون أدوات. رحم الله الدكتور سعيد السريحي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه للفكر والثقافة في ميزان حسناته.

spot_imgspot_img