
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتلاطم فيه الأمواج الفكرية والسياسية، يبرز كتاب الدكتور يوسف طراد السعدون، «من نافذة الأحداث.. الهوية العربية والإسلامية في عالم مضطرب»، كمنارة فكرية تدعو إلى التأمل العميق واليقظة المستمرة. يفتتح الدكتور السعدون مقدمة كتابه بعبارة بليغة تحمل في طياتها استيعاباً لحركة التاريخ وتراكماً للخبرات الإنسانية: «الأمم لا تنهض من فراغ، ولا تسقط بلا أسباب، وكما تولد الحضارات من رحم الإيمان والوعي والعزيمة، فإنها تموت حين يغيب عنها الوعي ويتسلل الوهن إلى روحها». هذه الكلمات ليست مجرد افتتاحية، بل هي جوهر الرسالة التي يسعى الكتاب لإيصالها، مؤكداً أن معركة الوعي هي الأهم والأكثر تأثيراً من معركة السلاح في بناء الأمم وصون كرامتها.
سياق تاريخي وتحديات معاصرة
تأتي أهمية هذا الكتاب في سياق تاريخي معقد، شهدت فيه الأمة العربية والإسلامية تحولات جذرية وتحديات غير مسبوقة. فبعد قرون من الازدهار الحضاري، مرت المنطقة بفترات من التراجع، تخللتها مراحل استعمارية وتدخلات أجنبية أثرت على بنيتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ومع بزوغ فجر القرن الحادي والعشرين، واجهت الأمة موجة جديدة من الصراعات الداخلية والخارجية، من حروب إقليمية إلى ثورات شعبية أدت إلى حالة من عدم الاستقرار، بالإضافة إلى تحديات العولمة الثقافية وتأثير الإعلام الرقمي. في هذا المشهد المضطرب، يصبح فهم الذات وتحديد الهوية أمراً حيوياً للبقاء والنهوض، وهو ما يتناوله كتاب الدكتور السعدون بعمق وتحليل.
توثيق وتحليل وتأمل لـ 15 عاماً من الأحداث
يضم الكتاب خلاصة 41 مقالاً كُتبت على مدى نحو 15 عاماً ونُشرت في الصحافة السعودية، ثم أُعيدت صياغتها وتحديثها وتبويبها لتخرج في ثوب واحد يجمع بين التوثيق والتحليل والتأمل. ينقسم الكتاب إلى جزءين متكاملين، يعالج كل منهما جانباً حيوياً من التحديات التي تواجه الأمة.
الجزء الأول: اضطراب العالم وتحدياته الخارجية
حمل الجزء الأول عنوان «اضطراب عالم مضطرب»، ويتناول أبرز الأحداث التي عصفت بالعالم العربي والإسلامي. من الحروب والصراعات الداخلية التي مزقت النسيج الاجتماعي، إلى مشاريع «الفوضى الخلاقة» التي هدفت إلى إعادة تشكيل المنطقة، والتدخلات الأجنبية السياسية والعسكرية والاقتصادية التي أثرت على سيادة الدول. كما يسلط الضوء على القضية الفلسطينية كقضية مركزية، ودور الصهيونية، والإعلام الموجه في تشكيل الوعي وإدارة الفتن، والحملات المغرضة التي استهدفت الدين الإسلامي والأخلاق. لم يكتفِ السعدون بوصف تلك الأحداث، بل سعى إلى تأصيل جذورها وبيان مكامن خطرها واقتراح السبل الممكنة للتعامل معها، مقدماً رؤية شاملة للتحديات الخارجية.
الجزء الثاني: النهضة تبدأ من الداخل وإشكالية الهوية
أما الجزء الثاني، الذي حمل عنوان «إشكالية الهوية ومستقبل الأمة»، فيغوص في الداخل العربي والإسلامي، محللاً مواطن الخلل الذاتي التي جعلت الأمة عرضةً للانكشاف. يتناول الكتاب ضعف الهوية، وهجر اللغة العربية التي هي وعاء الفكر والثقافة، إلى التناحر السياسي والاجتماعي، وتغلغل التأثير الأجنبي في مفاصل الحياة العامة، وصولاً إلى الصراعات الفكرية التي مزقت النسيج الاجتماعي. يؤكد الدكتور السعدون أن النهضة الحقيقية تبدأ من إصلاح الداخل قبل صد الخارج، وأن المعركة الكبرى هي معركة وعي وإيمان قبل أن تكون معركة سلاح، فبدون وعي داخلي متين، تظل الأمة هشة أمام أي تحدٍ خارجي.
المستقبل يُنتزع بالإرادة والوعي
يخلص الكتاب إلى عدة حقائق جوهرية، منها أن المستقبل لا يُمنح للأمم، إنما تنتزعه بإرادتها وتكتسبه بوعيها وصدق أبنائها. يجب أن نكون يقظين في مواجهة الأحداث، وأن نقرأ التاريخ والواقع بعين فاحصة لا بعين غافلة. فالعدو الخارجي مهما بلغ دهاؤه لا يمكنه أن يُسقِط أمة تعرف ذاتها وتصلح خللها. طريق النجاة يبدأ من نقد الذات بصدق، وبناء الوحدة الداخلية على أساس العدل، والإيمان، والوعي الحضاري، والاعتزاز بالهوية، والانفتاح على العصر. يؤكد الكتاب أن الطريق إلى المستقبل يبدأ من معرفة الذات، وأن الوعي هو المعركة الحقيقية التي لم تُحسم بعد. أمة وُلدت لتكون «شاهدةً على الناس» لا يمكن أن تبقى غافلة أو منكسرة، فلا بد من النهوض واستعادة الوعي.
أهمية الكتاب وتأثيره المتوقع
يقدم كتاب الدكتور السعدون مساهمة فكرية قيمة في المشهد الثقافي العربي والإسلامي. ففي عصر المعلومات المضللة والأخبار الزائفة، تزداد الحاجة إلى التحليل العميق والرؤى المستنيرة التي تساعد الأفراد والمجتمعات على فهم تعقيدات الواقع. من المتوقع أن يلهم هذا الكتاب القراء، وخاصة الشباب والمثقفين، لإعادة التفكير في قضايا الهوية والانتماء، وتشجيعهم على المشاركة الفاعلة في بناء مستقبل أفضل. كما يمكن أن يكون مرجعاً للمسؤولين وصناع القرار، لتوجيه السياسات نحو تعزيز الوعي الداخلي وتحصين الأمة ضد التحديات الخارجية، مما يسهم في تحقيق استقرار إقليمي ودولي مبني على الفهم المتبادل والاحترام.
وفي الخاتمة، تختصر قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي: (الدهرُ يقظان والأحداثُ لم تنمِ) جوهر رسالة هذا الكتاب للأمة العربية والإسلامية، مؤكداً أن اليقظة هي سبيل النجاة، والوعي هو الحصن المنيع للأمم.
المؤلف في سطور
الدكتور يوسف طراد السعدون، حاصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد عام 1990م، من جامعة إنديانا. عمل في القطاع العام السعودي لأكثر من 40 عاماً، عضواً في مجلس الشورى، ووكيلاً لوزارة الخارجية للعلاقات الاقتصادية والثقافية، وعضواً بهيئة التدريس في معهد الإدارة العامة. هذه الخلفية الأكاديمية والعملية الغنية تمنح تحليلاته عمقاً ومصداقية.
محاولة لقراءة الأحداث
استعرض الدكتور السعدون فكرة الكتاب في أنه ليس صرخة غضب ولا نشيد حنين إلى الماضي، بل محاولة لقراءة الأحداث الكبرى التي عصفت بعالمنا العربي والإسلامي، قراءةً تتجاوز سطح الخبر وتبعد عن ضجيج السياسة، وتجمع بين التوثيق والتحليل، وتبحث في جذور المؤامرات التي نُسجت حولنا، وتسلط الضوء على الأخطاء التي سمحت لها أن تنجح.


