
لطالما كانت الطائرات بدون طيار، أو ما يُعرف بـ «الدرون»، رمزًا للتقدم التكنولوجي والابتكار. بدأت رحلتها في الأساس كأدوات عسكرية استكشافية وهجومية في أوائل القرن العشرين، وشهدت تطورًا هائلاً في العقود الأخيرة. ومع بداية الألفية الجديدة، بدأت هذه التقنية تتسرب إلى الاستخدامات المدنية، فاتحةً آفاقًا واسعة في مجالات متعددة من التصوير الجوي الاحترافي إلى توصيل الطرود ومراقبة البنية التحتية. هذا التطور السريع جعل الدرون جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، مقدمةً حلولًا مبتكرة للعديد من التحديات.
تتنوع استخدامات «الدرون» في كثير من جوانب الحياة، فالبعض يعتمد عليها في التصوير وأعمال المراقبة، وآخرون في الإنقاذ والإغاثة أو توصيل الأدوية ومراقبة الحالة الأمنية والبحث عن مفقودين، كما تستخدم الدرون في الأعمال العسكرية.
وتؤدي طائرات الدرون الكثير من الأعمال الإيجابية والخدمية، غير أن ما كشفته الأجهزة الأمنية مؤخرًا، يؤكد أن تلك التقنيات الحديثة ليست ببعيدة عن تسخيرها لتنفيذ الأعمال الإجرامية وغير النظامية. فقد أحبطت الدوريات الساحلية لحرس الحدود في قطاع حقل بمنطقة تبوك تهريب 41 ألف قرص من مادة الإمفيتامين المخدر، باستخدام طائرة درون، في حادثة تسلط الضوء على الوجه الآخر لهذه التقنية المتطورة.
الدرون: أداة جديدة في أيدي الجريمة المنظمة
إن هذه الحوادث المتكررة لاستغلال طائرات الدرون في تهريب المخدرات لا تمثل مجرد خرق أمني عابر، بل تشير إلى تحول خطير في أساليب الجريمة المنظمة. محليًا، يمثل إحباط هذه العمليات نجاحًا كبيرًا للجهات الأمنية في حماية المجتمع من آفة المخدرات، ويؤكد على اليقظة المستمرة لمواجهة الأساليب الإجرامية المتطورة. إن انتشار المخدرات يهدد النسيج الاجتماعي والصحة العامة، مما يجعل مكافحة هذه الظاهرة أولوية قصوى. على الصعيد الإقليمي والدولي، تسلط هذه الحوادث الضوء على التحديات المتزايدة التي تواجهها أجهزة إنفاذ القانون في جميع أنحاء العالم في مواجهة استغلال التكنولوجيا الحديثة لأغراض غير مشروعة. فشبكات التهريب لا تتردد في تبني أحدث التقنيات لتجاوز الحواجز الأمنية، مما يستدعي تعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات لمواجهة هذه التهديدات العابرة للحدود.
حشيش على ظهر «الفانتوم» ومحاولات تهريب أخرى
في حوادث أخرى تم استخدام طائرات الدرون في تنفيذ جرائم جنائية خطيرة. من أشهر هذه الحوادث محاولة تهريب مخدرات إلى سجن بريمان، حيث تم ضبط منفذيها في داخل السجن وخارجه. رُصدت في حينها طائرة «فانتوم» صينية الصنع، ذات 4 مراوح، بطول وعرض 45 سنتيمترًا، يتم التحكم بها عن بعد، ومثبت على ظهرها كيس يحوي نحو 2000 حبة مؤثرة عقليًا، إضافة إلى كمية من مادة الحشيش المخدر.
وطبقًا للتحقيقات، أقر متهم في القضية بأنه باع لزعيم العصابة 13 طائرة من نوع «فانتوم» صينية الصنع خلال 8 أشهر، وأقر بأنه كان يسلم شقيقه المتهم الطائرات، وتم تحويل قيمتها على حسابه البنكي في عاصمة خليجية، مما يكشف عن شبكات منظمة تستغل هذه التقنيات.
وفي حادثة أخرى، أطلقت الشرطة العسكرية بسجن محافظة عنيزة بمنطقة القصيم، النار على طائرة «درون» كانت تحلق فوق السجن، وتمكنت من إسقاطها. تبين أنها كانت تحمل مواد مخدرة، إضافة إلى أجهزة اتصال وشرائح جوال، ما يؤكد تنوع الأغراض الإجرامية التي تستخدم فيها هذه الطائرات.
الاستخدامات الآمنة والاحترافية للدرون في خدمة المجتمع
على النقيض من الاستخدامات الإجرامية، نجحت الأجهزة الحكومية والخاصة في المملكة في الاستخدام الذكي والفعال لطائرات الدرون في العديد من المجالات الحيوية، أبرزها موسم حج 1446. جاءت أبرز استخدامات الدرون في الحج لتعزيز الأمن وإدارة الحشود عبر رصد ومراقبة الحشود في المشاعر المقدسة ومكة المكرمة لضمان الانسيابية، وضبط مخالفي أنظمة الحج، ورصد التحركات غير النظامية، إضافة إلى تحليل المشهد لحظيًا، وإرسال تنبيهات فورية لمركز القيادة والتحكم، مما ساهم في تحقيق موسم حج آمن ومنظم.
كما استخدمت الدرون بفعالية في الخدمات الطبية العاجلة عبر نقل المستلزمات والأدوية الطبية العاجلة للمنشآت الصحية في عرفات ومنى، ما قلص زمن التوصيل من ساعة إلى 5 دقائق، وهو إنجاز يعكس الكفاءة والسرعة في الاستجابة للحالات الطارئة.
«الصقر» للإطفاء والإنقاذ ومراقبة البنية التحتية
في قطاع الدفاع المدني، تم استخدام طائرة «الصقر» في مهمات الإطفاء والإنقاذ بكفاءة عالية. كما جرى استخدام طائرات درون مزودة بالذكاء الاصطناعي للتعامل مع الحرائق في الأماكن المرتفعة والمزدحمة، والعمل كمستجيب أول بقدرة حمل تصل إلى كيلوغرام، وبث مباشر للموقع، مما يوفر معلومات حيوية لفرق الإطفاء على الأرض.
ومن الاستخدامات الأخرى الهامة للدرون مراقبة الطرق والبنية التحتية، حيث تُستخدم في فحص الطرق والجسور والتحويلات المرورية باستخدام التصوير الحي والمباشر لضمان سلامة الحجاج والمسافرين، والكشف عن أي عيوب أو مخاطر محتملة بسرعة ودقة.
تنظيم استيراد وتشغيل الدرون: حماية للخصوصية والأمن
تعاملت الأجهزة المعنية في السعودية مع استخدامات طائرات الدرون باحترافية عالية، فأقرت ضوابط صارمة ومنعت استخدامها أو استيرادها إلا وفق اشتراطات معينة، لما تشكله من انتهاك للخصوصية، وإمكانية استخدامها في تصوير المواقع الحساسة والمنازل السكنية. ورغم هذه الضوابط، لا تزال بعض المواقع الإلكترونية تروج لتسويقها بطرق ملتوية وبأسعار مختلفة. وقد كشفت أعمال الرصد اعتماد مواقع خارجية بيع طائرات الدرون ومحاولة إدخالها عبر شحنات بريدية متفرقة ليتم تركيبها لاحقًا بالداخل، أو عن طريق التحايل عبر شركات الشحن، مما يستدعي يقظة مستمرة من الجهات الرقابية.
وأكدت هيئة الزكاة والضريبة والجمارك أن طائرات الدرون المزودة بكاميرا ووزنها أكبر من 250 غرامًا يتطلب استيرادها فسحًا من الهيئة العامة للطيران المدني. أما طائرات التحكم عن بعد في حال كانت بوزن أقل من 250 غرامًا، فيتم فسحها مباشرةً من الجمرك بشرط ألا تكون مزوّدة بكاميرا. وشددت الجمارك على أن هذه الطائرات وقطع غيارها من السلع الممنوع استيرادها إلا بعد الحصول على موافقة مسبقة من الجهات المعنية، وذلك لضمان عدم استغلالها في أنشطة غير مشروعة.
قواعد والتزامات الرخصة والعقوبات
تولت الهيئة العامة للطيران المدني أعمال الترخيص لطائرات الدرون في الفئتين التجارية والترفيهية لتنظيم آلية تشغيل وتسجيل الطائرات بدون طيار. وقد حددت الهيئة القواعد والاشتراطات والمحاذير، إضافة إلى تحديد جوانب فنية يجب الالتزام بها مثل وزن الطائرة، وضرورة الطيران بتصريح، لما يمثله ذلك من خطورة على أمن وسلامة الطائرات بالدرجة الأولى، والبشر، والممتلكات العامة والخاصة. كما أقرت أحكامًا جديدة تتعلق بالاستيراد، والتأمين، والتدريب، والمواصفات الفنية القياسية الوطنية، لضمان الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه التقنية.
ويعرض عدم تقيد المشغل بتعليمات التسجيل والتشغيل للمساءلة القانونية من الهيئة العامة للطيران المدني، وللعقوبات حسب نظام الطيران المدني. وتشمل عقوبات التشغيل من دون ترخيص أو تصريح أو إجازة الحبس لمدة لا تزيد على سنة، وغرامة لا تزيد على 100 ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين. وتشمل العقوبة كل من قام بتشغيل أي طائرة أو شركة أو وكالة أو بأي عمليات جوية تخضع لأحكام النظام دون الحصول على الترخيص أو التصريح أو الإجازة اللازمة من الهيئة، أو استمر في التشغيل بعد وقف الترخيص أو التصريح أو الإجازة أو سحبها أو إلغائها، مما يؤكد جدية المملكة في تطبيق هذه اللوائح.
ممنوع التحليق هنا: مناطق محظورة لحماية الأمن والخصوصية
يُمنع تحليق طائرات الدرون فوق المنازل والأحياء السكنية أو المناطق المحظورة دون تصريح رسمي مسبق من الهيئة العامة للطيران المدني. ويُعد الطيران العشوائي فوق الممتلكات الخاصة مخالفة صريحة للأنظمة، وتهديدًا للخصوصية والأمن، ما يعرض المخالفين للمساءلة القانونية. وتتعامل الجهات الأمنية بحزم مع أي طائرات غير مصرحة، لضمان حماية الأفراد والممتلكات من أي انتهاكات محتملة.
في الختام، تمثل طائرات الدرون تقنية ذات حدين؛ فهي قادرة على إحداث ثورة إيجابية في العديد من القطاعات، وفي الوقت نفسه تشكل تحديًا أمنيًا يتطلب يقظة مستمرة وتطويرًا للتشريعات والتقنيات المضادة. تواصل المملكة العربية السعودية جهودها الحثيثة للاستفادة من الإمكانات الإيجابية لهذه التقنية مع التصدي بحزم لأي محاولات لاستغلالها في أنشطة غير مشروعة، مؤكدةً على التزامها بالحفاظ على أمن وسلامة مواطنيها ومقيميها.


