في لحظة تاريخية حبست الأنفاس، كشف حارس مرمى الأهلي السعودي ومنتخب السنغال، إدوارد ميندي، تفاصيل تصديه الحاسم لركلة الجزاء التي نفذها مهاجم منتخب المغرب، إبراهيم دياز، في الثواني الأخيرة من نهائي بطولة كأس الأمم الأفريقية 2025. هذا التصدّي لم يكن مجرد لقطة عابرة، بل كان نقطة تحول محورية أمنت لـ “أسود التيرانغا” لقبهم القاري الثمين، بعد فوزهم على نظيرهم المغربي بهدف قاتل في المباراة النهائية التي استضافها ملعب الأمير مولاي عبد الله بالعاصمة الرباط.
خلفية تاريخية وسياق البطولة: صراع العمالقة الأفريقية
تُعد كأس الأمم الأفريقية (AFCON) البطولة الأبرز والأكثر عراقة في القارة السمراء، حيث تجسد قمة التنافس الكروي وتجمع أفضل المنتخبات. نسخة 2025 لم تكن استثناءً، بل كانت مليئة بالإثارة والندية، وشهدت مواجهة بين منتخبين يمثلان قوى كروية صاعدة ومخضرمة في آن واحد. منتخب السنغال، الذي توّج باللقب في نسخة 2021 (أقيمت في 2022)، كان يسعى لتأكيد هيمنته والحفاظ على لقبه، بينما كان منتخب المغرب، الذي أدهش العالم بوصوله إلى نصف نهائي كأس العالم 2022، يطمح لإضافة لقب قاري جديد إلى خزانته وتتويج مسيرته المميزة.
المباراة النهائية بين السنغال والمغرب لم تكن مجرد لقاء كروي، بل كانت قمة تحمل في طياتها صراعاً ثقافياً ورياضياً بين مدرستين كرويتين عريقتين. الأجواء كانت مشحونة بالترقب، والجمهور المغربي كان يملأ جنبات الملعب، حاملاً آمال وطنه في تحقيق إنجاز طال انتظاره.
قرار مثير للجدل واحتجاج تاريخي
مع اقتراب المباراة من نهايتها والنتيجة تشير إلى تقدم السنغال بهدف وحيد، شهدت الثواني الأخيرة من الوقت الأصلي حدثاً درامياً. احتسب حكم اللقاء ركلة جزاء لصالح منتخب المغرب بعد العودة إلى تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، إثر شد واضح من اللاعب السنغالي الحاج ماليك ضيوف على إبراهيم دياز داخل منطقة الجزاء. هذا القرار، الذي جاء في وقت حرج للغاية، أثار حالة من الغضب العارم داخل صفوف المنتخب السنغالي.
في مشهد غير مألوف، انسحب اللاعبون السنغاليون من أرضية الملعب احتجاجاً على القرار، مما أدى إلى توقف المباراة لعدة دقائق. تدخل قائد المنتخب ونجم النصر السعودي، ساديو ماني، الذي يتمتع بشخصية قيادية قوية، ونجح ببراعة في إقناع زملائه بالعودة لاستكمال اللقاء، مؤكداً على أهمية الروح الرياضية والتركيز على المباراة حتى النهاية. هذا الموقف أظهر نضجاً كبيراً من ماني وقدرته على إدارة المواقف العصيبة تحت الضغط.
محاولة «بانينكا» جريئة وتصدٍّ أسطوري
بعد عودة اللاعبين واستئناف اللعب، تقدم إبراهيم دياز، مهاجم ريال مدريد، لتنفيذ ركلة الجزاء. اختار دياز طريقة “بانينكا” الشهيرة، وهي تسديدة خادعة في منتصف المرمى تهدف إلى إرباك الحارس. ومع ذلك، كان الحارس إدوارد ميندي على الموعد. بتوقيت مثالي وقراءة ممتازة للموقف، تصدى ميندي للكرة ببراعة، محافظاً على شباكه نظيفة وعلى آمال “أسود التيرانغا” في الفوز باللقب.
ميندي يحسم الجدل: لا تعمد للإهدار
عقب المباراة، وفي خضم الاحتفالات، واجه إدوارد ميندي تساؤلات الصحفيين حول ما إذا كان دياز قد تعمد إهدار ركلة الجزاء لتهدئة الأجواء بعد الجدل الكبير الذي صاحب القرار. رد ميندي بحسم وواقعية، قائلاً: «لنكن واقعيين، مع تبقي دقيقة واحدة فقط، وبلاده تنتظر اللقب منذ خمسين عاماً، هل تعتقدون أنه سيفعل ذلك لمجرد تسهيل الأمور؟ لقد حاول التسجيل، وأنا من تصديت لتسديدته، هذا كل ما في الأمر».
وأضاف ميندي موضحاً استراتيجيته في التصدي: «سأكون كاذباً إن قلت إنني كنت أعلم أين سيسدد الكرة، لكنني حاولت الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الفرص بالبقاء واقفاً على قدميّ لأطول فترة ممكنة. كنت أعلم أن التسديد في وسط المرمى خيار وارد، نظراً لسير المباراة والضغط الهائل على اللاعب، وفي النهاية سارت الأمور في صالحي».
أهمية الحدث وتأثيره: تتويج لجهود وتطلعات مستقبلية
تتويج السنغال بكأس الأمم الأفريقية 2025 لم يكن مجرد فوز رياضي، بل كان تتويجاً لسنوات من العمل الجاد والتخطيط الاستراتيجي في كرة القدم السنغالية. هذا اللقب يعزز مكانة السنغال كقوة كروية مهيمنة في أفريقيا، ويرفع الروح المعنوية للشعب السنغالي، ويلهم الأجيال القادمة من اللاعبين. على الصعيد الإقليمي، يؤكد هذا الإنجاز على التطور المستمر لكرة القدم في غرب أفريقيا.
بالنسبة للمغرب، ورغم خيبة الأمل، فإن الوصول إلى نهائي البطولة يمثل إنجازاً كبيراً ويؤكد على استمرارية الأداء القوي الذي أظهره “أسود الأطلس” في البطولات الأخيرة. هذا الأداء يضع المغرب في مصاف المنتخبات الكبرى في القارة، ويعد بمستقبل واعد لكرة القدم المغربية على الساحة الدولية. المباراة النهائية نفسها، بكل ما حملته من إثارة وجدل ولحظات حاسمة، كانت خير دليل على المستوى المتنامي لكرة القدم الأفريقية وقدرتها على تقديم عروض عالمية.


