أسدلت محكمة جنايات أمن الدولة العليا في مصر الستار على واحدة من أبرز القضايا الأمنية، حيث أصدرت أحكاماً رادعة في قضية التخابر مع الخارج. وقضت المحكمة بالسجن المؤبد على 37 متهماً، من بينهم شخصيات وقيادات عليا بارزة في جماعة «الإخوان المسلمين»، وعلى رأسهم محمود عزت، ومحمد بديع المرشد العام للجماعة، ومحمد خيرت الشاطر، ومحمود حسين، ورشاد بيومي، وعبدالرحمن البر (مفتي الجماعة)، ومحمود غزلان، ومحمد سعد عليوة.
كما شمل الحكم القضائي السجن المشدد لمدة 15 عاماً على 27 متهماً، والسجن المشدد 10 سنوات على 6 متهمين، والسجن 5 سنوات على 3 متهمين آخرين. وفي المقابل، برأت المحكمة متهماً واحداً، بينما انقضت الدعوى الجنائية بوفاة متهمين اثنين هما إبراهيم منير (القائم بأعمال المرشد السابق)، ومحمود محمد محمود. ولم تقتصر الأحكام على العقوبات البدنية، بل قررت المحكمة إدراج المحكوم عليهم على قوائم الإرهاب، وحل جماعة «الإخوان المسلمين» وإغلاق جميع مقارها، ومصادرة كافة الأجهزة الإلكترونية وهواتف تمرير المكالمات والعملات المضبوطة. كما ألزمت المحكوم عليهم متضامنين بدفع غرامة ضخمة تتجاوز 7 مليارات و54 مليوناً و34 ألفاً و140 جنيهاً لصالح الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، مع وضعهم تحت مراقبة الشرطة لمدة 5 سنوات بعد تنفيذ العقوبة.
تفاصيل وحيثيات قضية التخابر مع الخارج
تعود تفاصيل هذه المحاكمة إلى القضية رقم 12430 لسنة 2021 (التجمع الخامس)، والمبنية على تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا. وقد كشفت التحقيقات عن تورط شبكة من المتهمين في تمرير المكالمات الدولية بشكل غير قانوني عبر خوادم (سيرفرات) موجودة في دولة تركيا. وكان الهدف الأساسي من هذه العمليات هو رصد الأوضاع الداخلية في مصر، وجمع معلومات دقيقة عن آراء المواطنين وتوجهاتهم، ومن ثم نقل هذه المعلومات الحساسة لجهات أجنبية. ووجهت النيابة للمتهمين تهماً بالانضمام إلى جماعة إرهابية، والتخابر مع دول أجنبية، وتمرير المكالمات الدولية بغير ترخيص، بالإضافة إلى جرائم غسل الأموال والاتجار في النقد الأجنبي خارج السوق المصرفية. وأكدت التحقيقات أن المتهمين استعانوا بأعضاء من الجماعة وآخرين مأجورين داخل وخارج البلاد لتنفيذ هذا المخطط المعقد.
الجذور التاريخية لمواجهات الدولة مع تنظيم الإخوان
تأتي هذه الأحكام في سياق تاريخي ممتد من المواجهات القانونية والأمنية بين الدولة المصرية وجماعة الإخوان المسلمين، وتحديداً منذ أحداث عام 2013 وثورة الثلاثين من يونيو. فبعد الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي، اتخذت الحكومة المصرية قراراً حاسماً في أواخر عام 2013 بتصنيف الجماعة رسمياً كـ «جماعة إرهابية». هذا التصنيف القانوني مهد الطريق لسلسلة من الإجراءات القضائية والأمنية التي استهدفت تفكيك البنية التحتية للتنظيم، سواء من الناحية المالية أو الهيكلية. وطوال العقد الماضي، واجهت قيادات الجماعة اتهامات متكررة بالتحريض على العنف، ومحاولة زعزعة الاستقرار الداخلي، والتعاون مع جهات خارجية لضرب الأمن القومي المصري، وهو ما تجلى بوضوح في تفاصيل هذه القضية.
التداعيات الأمنية والسياسية للأحكام القضائية الأخيرة
يحمل هذا الحكم أهمية بالغة وتأثيرات واسعة النطاق على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فعلى الصعيد المحلي، يُعد هذا الحكم ضربة قاصمة لما تبقى من الهيكل التنظيمي والمالي لجماعة الإخوان داخل مصر، حيث تساهم الغرامات المليارية والمصادرات في تجفيف منابع التمويل التي تعتمد عليها الجماعة في أنشطتها الخفية. أما إقليمياً، فإن الكشف عن استخدام خوادم في تركيا يسلط الضوء على التحولات الجيوسياسية في المنطقة؛ فمع التقارب الدبلوماسي الأخير وتحسن العلاقات بين القاهرة وأنقرة، فقدت الجماعة الكثير من الملاذات الآمنة والمساحات اللوجستية التي كانت تستغلها في السابق. ودولياً، تعزز هذه الأحكام من رسالة الدولة المصرية للمجتمع الدولي بشأن التزامها الصارم بمكافحة الإرهاب، وتأكيدها على سياسة عدم التسامح مطلقاً مع أي كيانات تحاول المساس بسيادة الدولة عبر التجسس أو التمويل غير المشروع.


