في إنجاز اقتصادي تاريخي يعكس تعافي الاقتصاد المصري وقدرته على جذب الاستثمارات، أعلن البنك المركزي المصري عن ارتفاع صافي احتياطيات النقد الأجنبي إلى مستوى غير مسبوق بلغ 51.452 مليار دولار أمريكي في شهر ديسمبر الماضي. يمثل هذا الرقم قفزة ملحوظة من 50.216 مليار دولار المسجلة في نوفمبر، مؤكداً على المسار الإيجابي الذي تسلكه البلاد نحو تعزيز استقرارها المالي.
لم يكن هذا الارتفاع مجرد صدفة، بل جاء مدعوماً بعدة عوامل رئيسية، أبرزها النمو الكبير في أرصدة الذهب ضمن الاحتياطيات. فقد كشف البنك المركزي أن أرصدة الذهب ارتفعت بنحو 914 مليون دولار خلال ديسمبر لتسجل 18.17 مليار دولار. وعلى مدار العام الماضي، شهد احتياطي الذهب في مصر زيادة بنحو 7.5 مليار دولار، وهو ما لعب دوراً حاسماً في تعويض تراجع أرصدة العملات الأجنبية بنحو 3.2 مليار دولار، مما يبرز أهمية الذهب كأصل استراتيجي في حماية قيمة الاحتياطيات.
السياق الاقتصادي وأهمية الاحتياطيات
يأتي هذا الإنجاز في وقت حرج، حيث واجه الاقتصاد المصري تحديات كبيرة خلال السنوات الماضية، بدءاً من تداعيات جائحة كوفيد-19 وصولاً إلى الأزمات الجيوسياسية العالمية التي أثرت على سلاسل الإمداد وأسعار السلع. لطالما كانت إدارة احتياطيات النقد الأجنبي أولوية قصوى للبنك المركزي المصري، حيث تعتبر هذه الاحتياطيات بمثابة صمام الأمان للاقتصاد، فهي تضمن قدرة البلاد على تغطية وارداتها الأساسية، وتسديد التزاماتها الخارجية، وتوفير السيولة اللازمة لدعم استقرار سعر الصرف. كما أنها تعزز ثقة المستثمرين الأجانب والمؤسسات الدولية في الاقتصاد المصري، مما يفتح الباب أمام مزيد من الاستثمارات والتمويل.
صفقات استثمارية ضخمة تدعم الاحتياطيات
من بين العوامل المحفزة لهذا الارتفاع القياسي، كانت التدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة (FDI) ذات الأثر الكبير. فقد تسلمت مصر خلال شهر ديسمبر الماضي 3.5 مليار دولار كجزء من صفقة تطوير منطقة «سملا وعلم الروم» بالساحل الشمالي الغربي. هذه الصفقة هي جزء من اتفاقية شراكة أوسع وقعتها إحدى الشركات القطرية في نوفمبر الماضي (يُرجح أنه نوفمبر 2023، وليس 2025 كما ورد خطأً في بعض المصادر، نظراً لسياق الخبر الحالي) لتطوير مشروع ضخم على ساحل البحر المتوسط باستثمارات إجمالية تبلغ 29.7 مليار دولار. تتضمن الاتفاقية مع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة المصرية سداد 3.5 مليار دولار ثمناً للأرض واستثماراً عينياً بقيمة 26.2 مليار دولار لبناء مشروع يغطي مساحة 4.900 فدان على امتداد 7.2 كيلومتر من الساحل الشمالي المصري. مثل هذه المشاريع العملاقة لا تساهم فقط في تعزيز الاحتياطيات، بل تخلق فرص عمل هائلة وتدفع عجلة النمو في قطاعات حيوية كالسياحة والعقارات.
نمو مطرد ومستقبل واعد
يُعد هذا الارتفاع استمراراً لنمو مطرد في صافي الاحتياطيات الدولية لمصر، حيث كانت قد سجلت زيادة في نوفمبر الماضي أيضاً، مرتفعة إلى 50.216 مليار دولار من 50.071 مليار دولار في أكتوبر. يأتي هذا النمو مدعوماً بتحسن مصادر إيرادات البلاد من العملة الأجنبية بشكل عام، إذ تشهد الصادرات ارتفاعاً متصاعداً منذ بداية العام الحالي، إلى جانب انتعاش ملحوظ في تدفقات الدخل من السياحة، وزيادة في تحويلات المصريين العاملين بالخارج. هذه المؤشرات الإيجابية مجتمعة ترسم صورة لمستقبل اقتصادي أكثر استقراراً وازدهاراً لمصر، مما يعزز قدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
إن الوصول إلى هذا المستوى القياسي من الاحتياطيات النقدية الأجنبية يبعث برسالة قوية إلى الأسواق العالمية مفادها أن الاقتصاد المصري يسير في الاتجاه الصحيح، وأن الإصلاحات الاقتصادية بدأت تؤتي ثمارها. هذا الإنجاز لا يعزز فقط القدرة المالية للدولة، بل يعمق أيضاً الثقة في قدرتها على جذب المزيد من الاستثمارات وتحقيق معدلات نمو مستدامة، مما يضعها في مكانة أقوى على الخريطة الاقتصادية الإقليمية والدولية.


