شهدت أسواق الذهب المصرية ارتفاعاً قياسياً وغير مسبوق خلال تعاملات الأسبوع الماضي، حيث قفز سعر جرام الذهب عيار 21 ليلامس مستوى 6,735 جنيهاً مصرياً. هذا الارتفاع الصاروخي، الذي بلغت نسبته 9.4% في أسبوع واحد، يأتي مدفوعاً بمكاسب قوية للأوقية في البورصة العالمية بلغت 8.5%، مسجلة بذلك أقوى أداء أسبوعي لها منذ نحو ست سنوات. وتُعزى هذه الطفرة إلى تزايد الطلب المحلي والعالمي، بالإضافة إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية التي تدفع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة.
وفقاً لتقرير صادر عن منصة «آي صاغة»، أكد المدير التنفيذي للمنصة، سعيد إمبابي، أن أسعار الذهب في مصر شهدت زيادة بنحو 580 جنيهاً للجرام خلال أسبوع واحد فقط. فبعد أن افتتح جرام الذهب عيار 21 التعاملات عند 6,155 جنيهاً، أغلق الأسبوع عند المستوى القياسي المذكور. ولم يقتصر الارتفاع على عيار 21، بل امتد ليشمل كافة الأعيرة؛ حيث سجل جرام الذهب عيار 24 نحو 7,697 جنيهاً، ووصل سعر جرام الذهب عيار 18 إلى 5,773 جنيهاً، فيما ارتفع سعر الجنيه الذهب ليبلغ 53,880 جنيهاً. ومنذ بداية العام الحالي، ارتفعت أسعار الذهب في مصر بنحو 905 جنيهات، بنسبة نمو بلغت 15.5%، وهو ما يتماشى مع المكاسب العالمية التي تجاوزت 670 دولاراً للأوقية.
تُعد التوترات الجيوسياسية العالمية، لا سيما في مناطق الصراع الرئيسية، محركاً رئيسياً لارتفاع أسعار الذهب عالمياً. ففي أوقات عدم اليقين الاقتصادي والسياسي، يتجه المستثمرون إلى الذهب كملاذ آمن للحفاظ على قيمة مدخراتهم من تقلبات الأسواق الأخرى. كما أن المخاوف المتزايدة بشأن التضخم العالمي، وتوقعات أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية الكبرى، تلعب دوراً حاسماً. فعندما تكون أسعار الفائدة الحقيقية منخفضة أو سلبية، يصبح الذهب، الذي لا يدر عائداً، أكثر جاذبية مقارنة بالأصول الأخرى التي تتأثر بالتضخم.
على الصعيد المحلي، تشهد الأسواق المصرية نقصاً حاداً في المعروض من سبائك الذهب والفضة. هذا النقص تفاقم نتيجة الارتفاع القوي في الطلب، خاصة مع استمرار وقف استيراد الذهب للشركات، مما يجعل السوق يعتمد بشكل رئيسي على عمليات إعادة البيع. هذا الوضع يخلق فجوة بين العرض والطلب، ويدفع الأسعار المحلية للارتفاع بوتيرة أسرع أحياناً من الأسعار العالمية. وقد أشار إمبابي إلى أن الارتفاع الكبير في أسعار الذهب في مصر يرجع بالأساس إلى صعود الأسعار في البورصة العالمية، بالإضافة إلى زيادة الطلب الداخلي، مما أدى إلى اتساع الفجوة بين السعر المحلي والسعر العالمي لتصل إلى نحو 146 جنيهاً للجرام.
لطالما كان الذهب في مصر، عبر تاريخها الطويل، ليس مجرد سلعة ثمينة، بل ملاذاً آمناً ووعاءً ادخارياً مفضلاً للكثيرين، خاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية وتقلبات سعر صرف الجنيه المصري. ففي ظل التحديات الاقتصادية التي مرت بها البلاد، بما في ذلك ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية للعملة المحلية، يرى المصريون في الذهب وسيلة فعالة للحفاظ على قيمة مدخراتهم وحمايتها من التآكل. هذه الثقافة المتجذرة في المجتمع المصري تزيد من الطلب على الذهب في أوقات عدم اليقين، مما يساهم في دفع الأسعار نحو مستويات قياسية.
إن الارتفاع التاريخي لأسعار الذهب يحمل تداعيات اقتصادية واجتماعية متعددة. فمن ناحية، قد يؤثر سلباً على القوة الشرائية للمواطنين الراغبين في شراء الذهب لأغراض الزينة أو الادخار، ويجعل الاستثمار فيه مقتصراً على فئات معينة. ومن ناحية أخرى، قد يشجع البعض على بيع مدخراتهم الذهبية للاستفادة من الأسعار المرتفعة، مما قد يوفر سيولة في السوق. ومع استمرار التوترات الجيوسياسية العالمية والمخاوف الاقتصادية، من المتوقع أن يظل الذهب محتفظاً بجاذبيته كملاذ آمن، مما يشير إلى استمرار التقلبات في أسعاره على المدى القريب، وربما استمرار الضغط التصاعدي في ظل استمرار العوامل الدافعة للطلب المحلي والعالمي.


