في خطوة تهدف إلى تحقيق التوازن الاقتصادي وتخفيف الأعباء المعيشية عن كاهل المواطنين، أعلنت الحكومة المصرية عن تحركات جديدة تخص قطاع الطاقة. وقد صرح وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، محمود عصمت، بأن الجهات المعنية تعكف حالياً على دراسة ومراجعة أسعار الكهرباء في مصر، وذلك في ظل التحديات الاقتصادية العالمية والمحلية. جاءت هذه التصريحات خلال مؤتمر صحفي عُقد بمقر مجلس الوزراء، حيث تم تسليط الضوء على تكلفة الإنتاج وحجم الدعم الذي تتحمله الدولة لضمان استقرار التغذية الكهربائية.
تكلفة الإنتاج وتحديات أسعار الكهرباء في مصر
أوضح الوزير محمود عصمت تفاصيل دقيقة حول التكلفة الفعلية لإنتاج الطاقة، مشيراً إلى أن قطاع الكهرباء يحصل على الغاز الطبيعي المورد لصالح محطات التوليد بسعر 4 دولارات للمليون وحدة حرارية، وهو رقم يقل بكثير عن السعر العالمي المتداول حالياً. هذا الفارق الكبير تتحمله خزانة الدولة لضمان عدم حدوث قفزات مفاجئة في الفواتير. ونوه الوزير إلى حقيقة هامة تتمثل في أن قطاع الكهرباء يستهلك ما بين 58% إلى 60% من إجمالي استهلاك الغاز الطبيعي في البلاد، مما يجعله أحد أكبر القطاعات الاستراتيجية اعتماداً على الموارد البترولية، ويضع ضغوطاً إضافية على الموازنة العامة للدولة في ظل تقلبات أسواق الطاقة العالمية.
جهود حكومية مستمرة لحماية المواطن
بالعودة إلى السنوات القليلة الماضية، نجد أن الدولة المصرية قد اتخذت قرارات حاسمة لحماية الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل. فقد أكد وزير الكهرباء أن الوزارة لم تقم برفع أسعار الاستهلاك منذ نحو عامين كاملين، وذلك استجابة للتوجيهات الرئاسية والحكومية الصارمة بعدم زيادة العبء المادي على المواطنين خلال فترات التضخم. تاريخياً، عانت مصر قبل عام 2014 من أزمات طاحنة في انقطاع التيار الكهربائي، إلا أن الاستثمارات الضخمة التي ضُخت في بناء محطات عملاقة حولت العجز إلى فائض. ومع اندلاع الأزمات الجيوسياسية العالمية مؤخراً، ارتفعت تكاليف سلاسل الإمداد والوقود، مما استدعى تدخلاً حكومياً لامتصاص هذه الصدمات وتأجيل رفع الدعم تدريجياً لتجنب إرهاق ميزانية الأسرة المصرية.
استراتيجيات التكيف وتقليل الفاقد في الشبكة القومية
لم تكتفِ وزارة الكهرباء بتثبيت الأسعار، بل اتجهت نحو حلول جذرية لتقليل الهدر المالي والفني. وفي هذا الصدد، لفت الوزير إلى مجموعة من الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الوزارة لتقليل نسبة الفاقد في التيار الكهربائي، سواء كان فاقداً فنياً ناتجاً عن تقادم بعض الشبكات، أو فاقداً تجارياً بسبب السرقات والتوصيلات غير القانونية. وقد ساهمت هذه الإجراءات والحملات المكثفة في انخفاض نسبة الفاقد بأكثر من 16% خلال العامين الماضيين. وفي المقابل، تتخذ الوزارة تدابير مستمرة للتكيف مع الأوضاع الاقتصادية الراهنة، من خلال تعظيم كفاءة استخدام الطاقة وتقليل معدلات الاستهلاك، مع مناشدة المواطنين بضرورة مساعدة الدولة عبر تبني سلوكيات إيجابية لترشيد الاستهلاك اليومي.
التحول نحو الطاقة النظيفة والتأثير الاقتصادي المتوقع
تدرك الحكومة أن الاعتماد الكلي على الوقود الأحفوري لم يعد خياراً مستداماً، سواء من الناحية الاقتصادية أو البيئية. لذلك، تتحمل الدولة جزءاً كبيراً من الاعتمادات المالية المطلوبة لتسريع وتيرة التحول نحو الطاقة الخضراء. وأشار الوزير إلى تخصيص ميزانية ضخمة تبلغ 160 مليار جنيه مصري لتطوير البنية التحتية وتوصيل مشروعات الطاقات المتجددة بالشبكة القومية للكهرباء.
إن هذا التوجه الاستراتيجي يحمل أهمية كبرى وتأثيراً واسع النطاق. فعلى الصعيد المحلي، سيؤدي تنويع مصادر الطاقة إلى استقرار الشبكة وتقليل الاعتماد على الغاز المستورد أو الموجه للتصدير، مما يوفر العملة الصعبة. وإقليمياً ودولياً، يعزز هذا التحول من مكانة مصر كمركز إقليمي لتداول الطاقة، ويفتح الباب أمام استثمارات أجنبية ضخمة في مجالات طاقة الرياح والطاقة الشمسية، مما يدعم الاقتصاد الوطني ويخلق آلاف فرص العمل، ويضمن مستقبلاً آمناً للأجيال القادمة بعيداً عن تقلبات أسعار الوقود التقليدي.


