شهد الجنيه المصري ارتفاعًا ملحوظًا ومفاجئًا أمام الدولار الأمريكي خلال تعاملات اليوم، ليقلب بذلك موجة خسائر قصيرة الأمد، مدفوعًا بتحسن مستمر في المؤشرات الاقتصادية الرئيسية، وعلى رأسها التدفق المتزايد للسيولة الدولارية. هذا التحول الإيجابي يعكس جهودًا مكثفة لاستعادة الاستقرار الاقتصادي والثقة في السوق المصري، ويؤشر إلى مرحلة جديدة من التعافي.
وفقًا للإحصاءات الصادرة عن «العربية Business»، سجل سعر صرف الدولار الأمريكي في البنك المركزي المصري 47.26 جنيه للشراء و47.39 جنيه للبيع. وفي البنك الأهلي المصري وبنك مصر، بلغ سعر الصرف 47.21 جنيه للشراء و47.31 جنيه للبيع. كما سجل الدولار 47.20 جنيه للشراء و47.30 جنيه للبيع في بنوك البركة – مصر، قناة السويس، المصرف المتحد، مصرف أبوظبي الإسلامي، وبنك الإسكندرية. بينما وصل إلى 47.18 جنيه للشراء و47.28 جنيه للبيع لدى بنك قطر الوطني وبنك كريدي أغريكول – مصر. وسجل بنك «إتش إس بي سي» أقل سعر صرف للدولار عند 47.15 جنيه للشراء و47.25 جنيه للبيع، مما يؤكد التنافسية في السوق المصرفي.
يأتي هذا الارتفاع بعد فترة عصيبة شهدها الاقتصاد المصري، حيث واجه الجنيه ضغوطًا كبيرة على مدار السنوات القليلة الماضية، تمثلت في عدة تخفيضات لقيمته ونقص حاد في العملة الأجنبية، مما أثر سلبًا على القدرة الشرائية للمواطنين وتسبب في ارتفاع معدلات التضخم. كانت الحكومة المصرية والبنك المركزي قد تبنيا حزمة من الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية، بما في ذلك اتفاقيات مع صندوق النقد الدولي، بهدف معالجة الاختلالات الاقتصادية وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وقد بدأت ثمار هذه الإصلاحات تظهر تدريجيًا، خاصة بعد إبرام صفقات استثمارية ضخمة مثل مشروع رأس الحكمة، التي ساهمت بشكل كبير في تعزيز السيولة الدولارية في البلاد.
وقد اختتم الجنيه المصري عام 2025 بأداء قوي، حيث ارتفع بنسبة 6.7% أمام الدولار منذ بداية العام الماضي، وهو ما يمثل تحولًا إيجابيًا بعد سنوات من التحديات. وبفضل القفزة القياسية في تحويلات المصريين العاملين بالخارج، والتي تعد شريانًا حيويًا للاقتصاد، واستعادة السيولة في القطاع المصرفي، يتوقع على نطاق واسع أن يعزز الجنيه مكاسبه في عام 2026. هذا التوقع مبني على رؤية بأن البلاد تنتقل من دوامة خفض قيمة العملة إلى «دورة إيجابية» من التحسن والنمو الاقتصادي المستدام، مدعومة بتدفقات استثمارية جديدة وثقة متزايدة من المستثمرين الأجانب والمحليين.
وسجل الاقتصاد المصري مجموعة من المؤشرات والأرقام القياسية المبشرة خلال العام الماضي، والتي تؤكد على قوة التعافي. فقد أعلن البنك المركزي المصري ارتفاع صافي احتياطيات النقد الأجنبي إلى 51.452 مليار دولار في شهر ديسمبر الماضي، مقارنة بـ 50.216 مليار دولار في نوفمبر، وهو ما يعزز قدرة البلاد على مواجهة الصدمات الخارجية ويدعم استقرار سعر الصرف. كما استمرت تحويلات المصريين العاملين بالخارج في مسارها التصاعدي، حيث ارتفعت خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025 بمعدل 42.5% لتسجل أعلى قيمة لها على الإطلاق بنحو 37.5 مليار دولار، مقابل نحو 26.3 مليار دولار في الفترة المماثلة من عام 2024. هذه الزيادة الكبيرة تعكس ثقة المصريين في اقتصاد بلادهم وتساهم بفعالية في توفير العملة الصعبة. علاوة على ذلك، سجل صافي الأصول الأجنبية في القطاع المصرفي المصري 22.7 مليار دولار بنهاية أكتوبر الماضي، مما يمثل تعافيًا كبيرًا وملحوظًا مقارنة بالتراجع المسجل خلال الفترة بين عامي 2022 و2024، ويشير إلى تحسن كبير في ميزان المدفوعات.
إن استقرار وارتفاع قيمة الجنيه المصري له تداعيات إيجابية واسعة النطاق على المستويين المحلي والإقليمي. محليًا، من المتوقع أن يساهم في كبح جماح التضخم، مما يخفض تكلفة المعيشة ويحسن القوة الشرائية للمواطنين. كما يعزز من ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، ويشجع على زيادة الاستثمارات في مختلف القطاعات، مما يخلق فرص عمل ويدفع عجلة النمو الاقتصادي. على الصعيد الإقليمي والدولي، يعزز هذا التحسن من مكانة مصر كوجهة استثمارية جاذبة، ويقلل من مخاطر الديون السيادية، ويساهم في استقرار الأسواق المالية في المنطقة. كما يعكس قدرة الاقتصاد المصري على التعافي والتكيف مع التحديات العالمية، مما يعزز من دورها كلاعب اقتصادي رئيسي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.


