شهدت الأوساط الثقافية والفنية في مصر حالة من الغليان والجدل الواسع عقب تدوينات نشرها الكاتب الصحفي المصري محمد الصباغ عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتي تناولت ما وصفه بـ الحياة السرية لأم كلثوم. هذه الادعاءات فجّرت زلزالاً فنياً وسياسياً مدوياً، مما دفع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر للتدخل الفوري واستدعاء المسؤول عن هذه الحسابات للتحقيق بتهمة خرق الأكواد الإعلامية وتجاوز حدود حرية التعبير المسؤولة.
تفاصيل الادعاءات المثيرة للجدل حول الحياة السرية لأم كلثوم
تضمنت تدوينات الصباغ مزاعم صادمة تمس السيرة الشخصية لكوكب الشرق أم كلثوم. وادعى الكاتب وجود استغلال سياسي من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر للحياة الشخصية للفنانة بغية السيطرة عليها وتوجيهها. كما زعم تخصيص قصر «إلهامي حسين باشا» في حي الزمالك العريق ليكون مقراً لما أسماه تفاصيل «الحياة السرية لأم كلثوم». ولم تتوقف الادعاءات عند هذا الحد، بل وجه اتهامات مباشرة تمس سلوكيات الفنانة الراحلة مستغلة نفوذ الدولة في ذلك الوقت، وهو ما اعتبره الشارع المصري والمثقفون إساءة بالغة لرمز وطني كبير.
امتدت اتهامات الصباغ لتطال سيدة مصر الأولى السابقة جيهان السادات، حيث زعم دخولها في صراع شخصي ومنافسة شرسة مع أم كلثوم بسبب الانفراد بلقب «سيدة مصر الأولى». وادعى الكاتب أن هذا الخلاف أسفر عن سلب أم كلثوم مشروعها الخيري الشهير «جمعية الوفاء والأمل» بأمر من جيهان السادات، مما أدى إلى تدهور حالتها الصحية ووفاتها «حسرة»، وهي رواية تفتقر تماماً لأي وثائق تاريخية أو مستندات رسمية تدعمها.
القيمة التاريخية لكوكب الشرق كرمز للقوة الناعمة
تعتبر أم كلثوم، التي رحلت عن عالمنا في عام 1975، واحدة من أبرز قامات الفن العربي وأيقونة خالدة شكلت وجدان الملايين على مدار عقود. لم تكن مجرد مطربة، بل كانت سفيراً فوق العادة لمصر، ولعبت دوراً وطنياً بارزاً عقب نكسة عام 1967 من خلال تنظيم حفلات في مختلف الدول العربية والأوروبية للتبرع بمجهودها الحربي لصالح إعادة بناء الجيش المصري. هذا التاريخ الحافل يجعل من سيرتها خطاً أحمر لدى الشعب المصري والمثقفين، حيث يُنظر إلى أي محاولة لتشويه إرثها على أنها استهداف لأحد أهم ركائز القوة الناعمة المصرية وتاريخها الثقافي المعاصر.
انتفاضة نقابية وتحركات قانونية لحماية الإرث الفني
أثارت هذه الادعاءات ردود فعل غاضبة وحاسمة من مختلف الجهات الفنية والثقافية. وهاجم المفكر الدكتور خالد منتصر هذه التصريحات بشدة، مؤكداً أن أم كلثوم رمز ثقافي عربي لا يجوز المساس به أو ترويج شائعات حول حياتها دون وثائق ومستندات واضحة وموثوقة. من جانبها، بدأت نقابة المهن الموسيقية تحركاً جاداً ومكثفاً لدراسة الموقف القانوني تمهيداً لرفع دعاوى قضائية صارمة ضد الصباغ.
وقد حظي هذا التحرك بتضامن كامل من نقابة المهن التمثيلية برئاسة الفنان أشرف زكي، تأكيداً على وحدة الموقف النقابي في مواجهة محاولات تشويه رموز الفن المصري. وشددت النقابات على أن حماية تاريخ قامات مصر الفنية واجب وطني لمنع تداول الشائعات المغرضة التي تهدف إلى إثارة البلبلة وتشويه الرموز الوطنية التي تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ الأمة العربية.


