تصاعد مروع للعنف في الفاشر
كشفت تقارير صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عن تصاعد خطير للانتهاكات بحق المدنيين في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور غربي السودان. ووصفت الهجمات التي تشنها قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها بأنها من بين أكثر موجات العنف دموية منذ اندلاع الصراع في أبريل 2023، حيث ترقى هذه الجرائم إلى مستوى جرائم حرب وجرائم محتملة ضد الإنسانية.
السياق التاريخي: جراح دارفور التي لم تندمل
تكتسب مدينة الفاشر أهمية استراتيجية وإنسانية بالغة، فهي العاصمة التاريخية لإقليم دارفور والمدينة الكبرى الوحيدة في الإقليم التي لم تكن قد سقطت في يد قوات الدعم السريع. قبل اندلاع القتال الأخير، كانت المدينة ملاذاً آمناً لمئات الآلاف من النازحين الفارين من العنف في مناطق أخرى من دارفور، الإقليم الذي شهد إبادة جماعية في أوائل الألفية الثالثة على يد ميليشيات الجنجويد، والتي تشكلت منها لاحقاً قوات الدعم السريع. الهجوم الحالي على الفاشر يعيد إلى الأذهان ذكريات تلك الفظائع ويثير مخاوف جدية من تكرار سيناريو التطهير العرقي.
جرائم موثقة وانتهاكات ممنهجة
وثقت التقارير الأممية، التي استندت إلى شهادات أكثر من 140 ضحية وشاهد عيان، ارتكاب عمليات قتل جماعي وإعدامات ميدانية، بما في ذلك قتل آباء وأمهات أمام أطفالهم. كما تم توثيق جرائم اغتصاب وعنف جنسي بشكل واسع، إلى جانب عمليات اختطاف ونهب واسعة النطاق وتهجير قسري للسكان. وأكدت المنظمات الدولية أن كثيراً من الهجمات استهدفت المدنيين بناءً على انتمائهم العرقي، وتحديداً استهداف مجتمع “الزغاوة”، في نمط متكرر من العنف الموجه الذي يهدف إلى تفكيك النسيج الاجتماعي للمنطقة.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
محلياً، يمثل الهجوم على الفاشر كارثة إنسانية كبرى، حيث حوصر أكثر من 1.5 مليون شخص داخل المدينة، يعانون من نقص حاد في الغذاء والماء والخدمات الطبية. إقليمياً، يهدد سقوط الفاشر بزعزعة استقرار المنطقة الحدودية مع تشاد، التي استقبلت بالفعل مئات الآلاف من اللاجئين السودانيين، مما يزيد من الضغط على مواردها المحدودة. دولياً، دقت الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة ناقوس الخطر، محذرة من أن ما يحدث قد يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية. ودعا المفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى إجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة جميع المسؤولين عن هذه الجرائم، مؤكداً أن استمرار الإفلات من العقاب يغذي دوامات العنف.
دعوات للتحرك الدولي ووقف إطلاق النار
في ظل تفاقم الأزمة، تتصاعد الدعوات الموجهة إلى مجلس الأمن الدولي والمجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات حاسمة لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق. ويطالب المراقبون بفرض عقوبات على الأطراف المتورطة في الانتهاكات وداعميها الخارجيين، الذين يتهمون بتأجيج الصراع عبر إمداد الأطراف المتحاربة بالسلاح. يبقى وقف شامل لإطلاق النار والعودة إلى مسار الحل السياسي هو السبيل الوحيد لإنهاء هذه المأساة الإنسانية التي تعصف بالسودان.


