شهدت مدينة عين العرب (كوباني) شمال سوريا تصعيداً جديداً في التوترات، حيث تجددت الاشتباكات بين قوات الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) رغم إعلان تمديد اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة أمريكية. ويأتي هذا التطور ليؤكد هشاشة الأوضاع الأمنية في المنطقة، ويثير تساؤلات حول مستقبل الاستقرار فيها.
واتهمت قوات سوريا الديمقراطية، يوم الإثنين، الجيش السوري بانتهاك الهدنة وقصف مناطق في جنوب شرق عين العرب. وأفادت «قسد» في بيان لها بأن الاشتباكات مستمرة على عدة محاور في بلدتي خراب عشك والجلبية، الواقعتين جنوب شرقي المدينة، مؤكدة أنها «تواصل التصدي للهجوم» في بلدة الجلبية. وأشارت «قسد» إلى أن قوات الجيش جلبت تعزيزات عسكرية إضافية، شملت دبابات وآليات مدرعة، بالتزامن مع تحليق مكثف للطيران المسيّر التركي في أجواء المنطقة، معتبرة هذه الهجمات خرقاً واضحاً وصريحاً لاتفاق وقف إطلاق النار.
في المقابل، كان الجيش السوري قد وجه اتهامات مماثلة لقوات سوريا الديمقراطية، مشيراً إلى استهداف مواقع انتشاره في محيط منطقة عين العرب بعشرات الطائرات المسيرة، واستهداف طريق رئيسي. وأعلن الجيش أنه «يدرس خياراته الميدانية حالياً رداً على استهداف الأهالي ومواقع انتشاره»، ما ينذر باحتمال تصعيد أوسع نطاقاً.
خلفية الصراع وتاريخ عين العرب
تأتي هذه الاشتباكات في سياق معقد من الصراع السوري المستمر منذ عام 2011. وتعد قوات سوريا الديمقراطية، التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) عمودها الفقري، لاعباً رئيسياً في شمال وشرق سوريا، حيث حظيت بدعم كبير من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في حربها ضد تنظيم داعش الإرهابي. وقد اكتسبت عين العرب (كوباني) أهمية رمزية واستراتيجية كبيرة بعد صمودها الأسطوري في وجه هجوم داعش عام 2014، لتصبح رمزاً للمقاومة الكردية.
لطالما كانت العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية متوترة، حيث تسعى دمشق لاستعادة السيطرة الكاملة على جميع الأراضي السورية، بينما تطالب «قسد» بحكم ذاتي للمناطق التي تسيطر عليها. وتزداد هذه المعادلة تعقيداً بتدخل قوى إقليمية ودولية، أبرزها تركيا التي تعتبر «قسد» امتداداً لحزب العمال الكردستاني (PKK) وتصنفها منظمة إرهابية، وتشن عمليات عسكرية متكررة ضدها.
تداعيات الاشتباكات وتأثيرها المحتمل
إن تجدد الاشتباكات في عين العرب يحمل تداعيات خطيرة على عدة مستويات. محلياً، يهدد هذا التصعيد حياة المدنيين ويزيد من معاناتهم، وقد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة في منطقة تعاني أصلاً من أزمات إنسانية متفاقمة. كما أنه يقوض أي جهود لإحلال الاستقرار في شمال سوريا، ويعرقل عودة الحياة الطبيعية للمناطق المحررة من داعش.
إقليمياً ودولياً، تشكل هذه التوترات تحدياً كبيراً للجهود الدبلوماسية الرامية إلى تثبيت الهدنة ومنع التصعيد. فوجود القوات الأمريكية والروسية والتركية في المنطقة يجعل أي اشتباك محلي قابلاً للتحول إلى صراع أوسع نطاقاً، مما يهدد الأمن الإقليمي برمته. كما أن استمرار هذه الاشتباكات قد يؤثر سلباً على جهود مكافحة الإرهاب، ويشتت الانتباه عن التحديات الأمنية الأخرى في سوريا.
وكانت «قسد» قد انسحبت منذ نهاية الأسبوع الماضي من محافظتي الرقة (شمال) ودير الزور (شرق)، حيث غالبية السكان عربية، مقابل تقدّم للقوات الحكومية. وباتت القوات الحكومية على تخوم عين العرب الواقعة في أقصى شمال محافظة حلب قرب الحدود مع تركيا، والمعزولة عن بقية مناطق القوات الكردية التي انسحبت إلى معقلها في الحسكة (شمال شرق). هذا التغير في خارطة السيطرة يزيد من الضغوط على «قسد» ويجعل موقفها في عين العرب أكثر حساسية، مما يرفع من احتمالية استمرار التوترات في المستقبل المنظور.


