شهد جنوب لبنان تصعيداً خطيراً اليوم، مع إعلان قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) عن استهداف دبابة إسرائيلية لموقع تابع لها بالقرب من بلدة كفرشوبا الحدودية. يأتي هذا الحادث ليضاف إلى سلسلة من الانتهاكات التي تهدد بتقويض الاستقرار الهش في المنطقة، وتثير مخاوف جدية بشأن سلامة قوات حفظ السلام الدولية ودورها الحيوي في منع تفاقم الصراع.
ووفقاً للبيان الصادر عن اليونيفيل، أطلقت الدبابة الإسرائيلية حوالي ثلاثين رصاصة من عيار صغير نحو الموقع الأممي. وقد أصابت هذه الرصاصات موقع حراسة، بل وتجاوزت ذلك لتخترق إحداها أماكن السكن داخل الموقع، في حادث يمثل انتهاكاً صارخاً لحرمة مواقع الأمم المتحدة. ولحسن الحظ، لم يتم تسجيل أي إصابات في صفوف الحراس أو أفراد البعثة، إلا أن الحادث يسلط الضوء على المخاطر المتزايدة التي يتعرض لها جنود حفظ السلام في منطقة تشهد توتراً متصاعداً.
على إثر هذا الاعتداء، جددت اليونيفيل تذكيرها لإسرائيل بضرورة ضمان سلامة قوات حفظ السلام ووقف هجماتها ضدها. وأكدت البعثة الأممية أن هذا العدوان يقوض بشكل مباشر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي يشكل حجر الزاوية للاستقرار في جنوب لبنان منذ حرب عام 2006. كما شددت على أن مثل هذه الأعمال تعرقل الجهود الحثيثة التي تبذلها القوات الأممية والأطراف المعنية لترسيخ الهدوء ومنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
السياق التاريخي ودور اليونيفيل في جنوب لبنان
تأسست اليونيفيل عام 1978 بموجب قرار مجلس الأمن 425، بهدف تأكيد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، واستعادة السلام والأمن الدوليين، ومساعدة الحكومة اللبنانية على استعادة سلطتها الفعالة في المنطقة. وبعد حرب يوليو 2006، تم توسيع ولاية اليونيفيل بموجب القرار 1701، لتشمل مراقبة وقف الأعمال العدائية، ومرافقة ودعم القوات المسلحة اللبنانية في انتشارها في جنوب لبنان، والمساعدة في ضمان وصول المساعدات الإنسانية. لطالما لعبت اليونيفيل دوراً محورياً كقوة فصل ومراقبة، تعمل على تهدئة التوترات ومنع التصعيد على طول الخط الأزرق، الذي يمثل خط الانسحاب بين لبنان وإسرائيل.
إن استهداف مواقع اليونيفيل ليس سابقة، فقد تعرضت هذه المواقع لعديد من الهجمات خلال العدوان الإسرائيلي المتواصل على القرى والبلدات الحدودية اللبنانية، خاصة منذ اندلاع الصراع في غزة في أكتوبر 2023 وما تبعه من تصعيد على الجبهة اللبنانية-الإسرائيلية. هذه الحوادث المتكررة تزيد من حدة التوتر في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية وسياسية. على الصعيد المحلي، يثير هذا الاعتداء قلقاً متزايداً بين السكان المدنيين الذين يعيشون في القرى الحدودية، ويهدد بتعطيل جهود إعادة الإعمار والاستقرار. إقليمياً، يمكن أن يؤدي أي تصعيد غير محسوب إلى جر المنطقة بأسرها إلى صراع أوسع نطاقاً، مما يهدد الأمن الإقليمي والدولي.
على الصعيد الدولي، يمثل استهداف قوات حفظ السلام انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني ومبادئ الأمم المتحدة، ويقوض مصداقية وفعالية عمليات حفظ السلام حول العالم. كما أنه يضعف الثقة في قدرة المجتمع الدولي على فرض قراراته وضمان احترامها. إن سلامة وحماية أفراد اليونيفيل أمر بالغ الأهمية لتمكينهم من أداء مهامهم الحيوية في الحفاظ على السلام والأمن، وأي اعتداء عليهم يعرض هذه المهمة للخطر.
دعوات لضبط النفس والالتزام بالقانون الدولي
في ظل هذه التطورات المقلقة، تتزايد الدعوات الدولية لجميع الأطراف لممارسة أقصى درجات ضبط النفس والالتزام الكامل بقرار مجلس الأمن 1701 والقانون الدولي. يجب على إسرائيل احترام حرمة مواقع الأمم المتحدة وضمان سلامة جميع أفراد حفظ السلام، والامتناع عن أي أعمال قد تؤدي إلى تصعيد التوترات. كما يجب على المجتمع الدولي تكثيف جهوده الدبلوماسية للضغط على الأطراف المعنية لخفض التصعيد والعودة إلى مسار الحوار، سعياً لتحقيق حل دائم وشامل يضمن الأمن والاستقرار في جنوب لبنان والمنطقة بأسرها.


