spot_img

ذات صلة

كتاب ذوقيات التعامل في الحياة: دليل شامل للذوق العام

في خطوة ثقافية وتربوية رائدة، أطلقت الكاتبة المتميزة جواهر معيوف المطرفي كتابها الجديد «ذوقيات التعامل في الحياة»، الذي يُعد إضافة نوعية للمكتبة العربية، ومحاولة جادة لتأسيس ثقافة الذوق العام في المجتمعات المعاصرة. يأتي هذا العمل الفكري في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى ترسيخ القيم السلوكية الراقية، وإعادة الاعتبار للأدب والتعامل الحسن كركائز أساسية لبناء الإنسان والمجتمع في ظل التحديات والمتغيرات المتسارعة التي يشهدها عالمنا اليوم.

لطالما كان مفهوم «الأدب» و«الذوق» جزءًا لا يتجزأ من النسيج الثقافي والتاريخي للمجتمعات العربية والإسلامية. فمنذ عصور ما قبل الإسلام، كانت «المروءة» و«حسن الخلق» من أبرز سمات الشخصية العربية الأصيلة، ومع بزوغ فجر الإسلام، تعززت هذه القيم لتصبح جزءًا أساسيًا من التعاليم الدينية التي تحث على مكارم الأخلاق وحسن التعامل مع الآخرين، كما يتجلى في السيرة النبوية الشريفة. هذه الخلفية التاريخية تؤكد أن الذوق ليس مجرد سلوكيات عابرة، بل هو إرث حضاري عميق، تسعى المطرفي من خلال كتابها إلى إحيائه وتطويره ليناسب متطلبات العصر.

يركز الكتاب، الصادر عن دار سعود للنشر، على فكرة محورية مفادها أن مقياس الحضارة الحقيقي لا يقتصر على التقدم المادي والتقني وحده، بل يتجلى في جودة منظومة القيم، وعمق العلاقات الإنسانية، وسمو السلوك الفردي والجماعي. تؤكد المؤلفة أن المجتمعات التي تتجاهل الجانب القيمي، مهما بلغت من تطور تكنولوجي أو اقتصادي، تكون عرضة للتفكك الاجتماعي والاضطراب وفقدان المعنى الحقيقي للوجود الإنساني، مما يجعل من «ذوقيات التعامل» ضرورة ملحة لاستدامة التنمية والرخاء.

يقدم العمل قراءة شاملة ومُعمقة لمفهوم «الذوق العام»، معرفًا إياه بأنه حس جمعي يتشكل من تفاعل الدين والثقافة والعادات والتقاليد المجتمعية. يعمل هذا الحس كضابط خفي يوجه سلوك الأفراد داخل المجتمع، ويحدد المقبول والمرفوض، ويهيئ مساحات واسعة للتعايش السلمي والاحترام المتبادل. ترى الكاتبة جواهر المطرفي أن الذوق ليس ترفًا اجتماعيًا يمكن الاستغناء عنه، بل هو ضرورة إنسانية تحافظ على التوازن النفسي والاجتماعي للفرد، وتساهم في بناء مجتمع متماسك ومنسجم.

يتوزع الكتاب على مجموعة غنية ومتنوعة من المحاور التي تتناول الذوقيات في مختلف مجالات الحياة. يبدأ من ذوقيات التعامل مع الذات، مرورًا بالعلاقات الأسرية والاجتماعية والعملية، وصولًا إلى تخصيص فصول مفصلة لذوقيات التعامل مع الوالدين، والشريك، والأبناء، والأصدقاء، وكبار السن، وحتى العمالة المنزلية. كما يتطرق إلى كيفية التعامل مع أنماط الشخصيات المختلفة التي قد نصادفها في حياتنا اليومية، مثل الشخصية العصبية، والعنيدة، والمتعالية، والثرثارة، والمستفزة، مقدمًا حلولًا عملية للتعامل مع كل منها بذكاء ولباقة.

يتميز الكتاب بأسلوبه المباشر والواضح الذي يجعله قريبًا من القارئ، فهو لا يكتفي بالتنظير المجرد، بل يقدم إرشادات عملية وسلوكيات قابلة للتطبيق الفوري في الحياة اليومية. يدعم هذا النهج العملي بنماذج مضيئة من السيرة النبوية الشريفة، ومواقف تاريخية خالدة تعكس أرقى صور الذوق والأدب في التعامل الإنساني، مما يضفي على المحتوى مصداقية وعمقًا تاريخيًا وروحانيًا.

يناقش الكتاب أيضًا أهمية الكلمة وتأثيرها النفسي والاجتماعي البالغ، موضحًا أن العديد من الأزمات والخلافات تبدأ من جملة غير محسوبة، أو أسلوب خالٍ من الذوق. هذا ما يجعل من «التهذيب اللغوي» ركيزة أساسية في بناء العلاقات الناجحة والمستدامة. وفي هذا السياق، تستشهد المؤلفة بعدد من النصوص القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تحث على حسن القول، ولين الخطاب، واحترام الآخر، وتجنب اللغو والبذاءة.

ولا تغفل المؤلفة جانب الذوق في بيئة العمل، إذ تفرد فصولاً خاصة لذوقيات المدير، والموظف، وزملاء العمل، والمقابلات الشخصية، والاجتماعات. تعتبر المطرفي أن النجاح المهني لا يقوم فقط على الكفاءة والخبرة التقنية، بل يعتمد بشكل كبير على حسن التعامل، والاحترام المتبادل، والالتزام الأخلاقي، والقدرة على بناء علاقات إيجابية داخل الفريق والمؤسسة.

وفي محور آخر حيوي، تتناول المطرفي ذوقيات إدارة الخلافات، وحل المشكلات، وتصحيح الأخطاء، مؤكدة أن الخلافات جزء طبيعي من الحياة الإنسانية، لكن الفارق يكمن في طريقة إدارتها. فإما أن تكون وسيلة للنضج والتطور، أو سببًا للتفكك والتباعد، مقدمة استراتيجيات للتعامل معها بوعي وحكمة.

إن الأهمية المتزايدة لمثل هذه الأعمال تكمن في تأثيرها المحتمل على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محليًا، يمكن للكتاب أن يساهم في تعزيز التماسك الاجتماعي وتحسين جودة الحياة اليومية. إقليميًا، يقدم نموذجًا فكريًا يُحتذى به في نشر الوعي بأهمية القيم الأخلاقية في منطقة تشهد تحولات سريعة. دوليًا، يعكس الكتاب مساهمة ثقافية عربية في الحوار العالمي حول الأخلاق والسلوك الإنساني، مؤكدًا أن القيم الإنسانية النبيلة هي جسر للتفاهم بين الثقافات والشعوب.

يعد كتاب «ذوقيات التعامل في الحياة» إضافة نوعية ومهمة للمكتبة العربية، لما يحمله من طرح متوازن يجمع بين العمق الفكري والبساطة الأسلوبية، وبين التأصيل الديني والمعالجة الواقعية للتحديات المعاصرة. يقدم هذا العمل نموذجًا عمليًا لكيف يمكن للسلوك الراقي أن يكون مشروعًا حياتيًا متكاملًا، لا مجرد شعارات أخلاقية جوفاء. إنه دعوة مفتوحة لإعادة النظر في تفاصيل الحياة اليومية، وفي طريقة المخاطبة، وفي الكيفية التي يصنع بها كل شخص أثره الإيجابي في المجتمع، مساهمًا في بناء مستقبل أكثر رقيًا وإنسانية.

spot_imgspot_img