تصعيد أوروبي غير مسبوق ضد تيك توك
في خطوة قد تغير ملامح استخدام منصات التواصل الاجتماعي في أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن نتائج تحقيق أولية تتهم فيها منصة تيك توك، المملوكة لشركة “بايت دانس” الصينية، بانتهاك “قانون الخدمات الرقمية” (DSA) بشكل صارخ. ويتمحور الاتهام الرئيسي حول ما وصفته المفوضية بـ “التصميم الإدماني المتعمد” الذي يهدف إلى إبقاء المستخدمين، خاصة القاصرين، لأطول فترة ممكنة على التطبيق، مما يعرض صحتهم النفسية والجسدية للخطر.
سياق قانون الخدمات الرقمية (DSA)
يأتي هذا التحقيق في إطار تطبيق قانون الخدمات الرقمية الأوروبي، وهو تشريع تاريخي دخل حيز التنفيذ الكامل في فبراير 2024. يهدف القانون إلى خلق بيئة رقمية أكثر أمانًا وشفافية، ويفرض التزامات صارمة على المنصات الرقمية الكبرى (التي لديها أكثر من 45 مليون مستخدم نشط شهريًا في الاتحاد الأوروبي)، مثل تيك توك وفيسبوك وإكس. يُلزم القانون هذه المنصات بتقييم وتخفيف المخاطر النظامية التي قد تنشأ عن خدماتها، بما في ذلك التأثيرات السلبية على الصحة العقلية وحماية القاصرين، وهو ما يقع في صلب الاتهامات الموجهة لتيك توك.
ما هو “التصميم الإدماني” الذي يتهمه الاتحاد الأوروبي؟
تركز المفوضية على مجموعة من الخصائص التقنية التي تعمل معًا لخلق ما يُعرف بـ “تأثير حفرة الأرنب” (Rabbit Hole Effect)، حيث يفقد المستخدم الإحساس بالوقت وينخرط في سلوك تصفح قهري. تشمل هذه الخصائص:
- التمرير اللانهائي (Infinite Scroll): الذي يغذي المستخدم بتدفق مستمر من المحتوى دون نقطة توقف طبيعية.
- التشغيل التلقائي للفيديوهات (Autoplay): الذي يقلل من الجهد المطلوب لمواصلة المشاهدة.
- خوارزمية التوصية (For You Page): التي تقدم محتوى شديد التخصيص مصممًا لجذب انتباه المستخدم واستثارته عاطفيًا.
ووفقًا للتحقيق، فشلت تيك توك في تقييم هذه المخاطر بشكل كافٍ، كما أن أدوات الرقابة الأبوية وإدارة وقت الشاشة التي توفرها المنصة وُصفت بأنها “غير فعالة وسهلة التجاهل”، ولا ترقى لمستوى التحدي الذي يفرضه تصميمها المنهجي.
تأثيرات واسعة وعقوبات رادعة
تتجاوز أهمية هذا التحقيق مجرد العلاقة بين تيك توك والاتحاد الأوروبي. إنه يمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة قانون الخدمات الرقمية على كبح جماح عمالقة التكنولوجيا. في حال إدانة تيك توك بشكل نهائي، قد تواجه الشركة غرامات تصل إلى 6% من إجمالي إيراداتها السنوية العالمية، والتي تقدر بأكثر من 180 مليار دولار، مما يعني أن الغرامة قد تتجاوز 10 مليارات دولار. علاوة على ذلك، قد تُلزم المفوضية الشركة بإجراء تغييرات جذرية على خوارزمياتها وتصميمها في السوق الأوروبية. هذا الإجراء قد يشكل سابقة قانونية تدفع منصات أخرى مثل “يوتيوب شورتس” و”إنستغرام ريلز” إلى إعادة تقييم تصميماتها لتجنب مصير مماثل، مما قد يؤدي إلى تغييرات عالمية في طريقة عمل هذه المنصات.
رد تيك توك والدفاع عن موقفها
من جانبها، رفضت تيك توك هذه الاتهامات بشكل قاطع، معتبرة أن النتائج الأولية “تستند إلى أسس خاطئة”. وأكدت الشركة أنها استثمرت بكثافة في أدوات وميزات لحماية المراهقين وتحديد وقت الشاشة، مثل وضع حد يومي تلقائي لمدة 60 دقيقة لحسابات المستخدمين دون 18 عامًا. وأشارت إلى أنها ستلجأ إلى كافة السبل القانونية للدفاع عن نفسها، مؤكدة أن مسؤولية إدارة الوقت تقع على عاتق المستخدمين وأولياء الأمور أيضًا، وليس من المنطقي فرض نموذج واحد يناسب الجميع.


