في تطور لافت يعكس تصاعد القلق الدولي إزاء الأوضاع المتفجرة في الشرق الأوسط، أطلقت مؤسسات القرار في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) تحذيرات متزامنة بشأن مستقبل الاستقرار في إيران وتداعيات ذلك على الأمن الأوروبي. وقد تصدرت هذه التحذيرات تصريحات كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، ومارك روته، الأمين العام للناتو، اللذين رسما صورة قاتمة للمشهد الإقليمي.
مخاوف من سيناريو الحرب الأهلية
أكدت كايا كالاس، اليوم الخميس، خلال مشاورات مكثفة شملت وزراء خارجية دول التكتل الأوروبي وممثلين عن دول مجلس التعاون الخليجي، أن هناك قلقاً متزايداً لدى دول الشرق الأوسط من احتمالية انزلاق إيران نحو «حرب أهلية». وأوضحت المسؤولة الأوروبية أن هذا السيناريو الكارثي قد يكون نتيجة مباشرة للضغوط الهائلة التي تفرزها الحرب الدائرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، مما قد يؤدي إلى تصدع الجبهة الداخلية الإيرانية.
ويأتي هذا التحذير في سياق جيوسياسي معقد، حيث تعاني إيران من ضغوط اقتصادية وعسكرية غير مسبوقة. ويرى مراقبون أن الحديث الأوروبي العلني عن «حرب أهلية» يعكس تقارير استخباراتية ودبلوماسية تشير إلى هشاشة الوضع الداخلي في طهران، وهو ما قد يولد موجات لجوء جديدة أو فوضى أمنية تتجاوز حدود الإقليم.
أمن الملاحة ومضيق هرمز
وفي سياق متصل، شددت كالاس على أن الاتحاد الأوروبي يراقب بـ«قلق بالغ» تهديدات الملاحة البحرية، مشيرة إلى الأهمية الاستراتيجية لإبقاء ممرات حيوية مثل مضيق هرمز مفتوحة. ويُعد هذا المضيق شريان الحياة للطاقة العالمية، وأي اضطراب فيه لا يهدد دول المنطقة فحسب، بل يضرب الاقتصاد الأوروبي والعالمي في مقتل، مما يفسر الإصرار الأوروبي على ضمان حرية الملاحة.
وانتقدت كالاس بشدة السلوك الإيراني، معتبرة أن النظام في طهران يعتمد استراتيجية «زرع الفوضى» وشن هجمات عشوائية على دول الجوار كوسيلة لتبرير بقائه وتصدير أزماته الداخلية، وهو نهج يقوض أي فرص للاستقرار الإقليمي.
الناتو: إيران تهديد مباشر لأوروبا
من جانبه، تبنى الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، لهجة أكثر حدة، معلناً دعم الحلف للتوجهات الأمريكية الرامية للقضاء على القدرات النووية والصاروخية لإيران. وأشار روته إلى أن طهران لم تعد مجرد تهديد إقليمي، بل كانت «على وشك أن تصبح تهديداً لأوروبا أيضاً»، مستشهداً بواقعة الصاروخ الذي اتجه نحو الأجواء التركية كدليل ملموس على المدى الذي وصلت إليه التهديدات الإيرانية.
وأكد روته على ضرورة التيقن من تحييد الخطر الإيراني، مشيداً بيقظة الحلف في التعامل مع الحوادث الجوية والصاروخية، رغم تأكيده أن تفعيل المادة 5 من ميثاق الحلف (الدفاع المشترك) لم يكن مناسباً في تلك الحالة المحددة.
تحشيد عسكري أوروبي لحماية قبرص
وعلى الأرض، ترجمت الدول الأوروبية مخاوفها إلى تحركات عسكرية ملموسة. فقد أعلن وزير الدفاع الإيطالي جويدو كروزيتو أن تحالفاً أوروبياً يضم إيطاليا، إسبانيا، فرنسا، وهولندا بصدد إرسال أصول بحريّة إلى قبرص خلال الأيام المقبلة. وتأتي هذه الخطوة الاستباقية لحماية الجزيرة المتوسطية التي تعتبر أقرب نقطة أوروبية لمناطق الصراع، خاصة بعد استهداف قاعدة جوية بريطانية فيها بطائرة مسيرة إيرانية الصنع، مما يؤشر على توسع رقعة الاستهداف لتطال المصالح الغربية بشكل مباشر.


