spot_img

ذات صلة

مقترحات الاتحاد الأوروبي لتسريع انضمام أوكرانيا: نموذج جديد

تتجه الأنظار نحو بروكسل حيث يعمل الاتحاد الأوروبي على صياغة مقترحات جديدة تهدف إلى تسريع عملية انضمام أوكرانيا إلى التكتل. هذه المقترحات، التي تصفها مصادر بأنها “نموذج ثنائي المستويات” ومثير للجدل، تسعى لإلغاء نظام الانضمام التقليدي المعتمد منذ حقبة الحرب الباردة، والذي يتطلب استيفاء جميع الشروط قبل العضوية الكاملة.

نموذج جديد للعضوية بصلاحيات متدرجة

كشفت صحيفة “فاينانشال تايمز” أن خطة الإصلاح هذه، التي لا تزال في مراحلها الأولية داخل المفوضية الأوروبية، تثير بالفعل قلقاً في عواصم الاتحاد الأوروبي، خاصة تلك المتشككة إزاء ما يُعرف بـ “التوسع الجزئي”. الفكرة الأساسية هي تمكين أوكرانيا من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في مرحلة أولية بصلاحيات أقل بكثير في صنع القرار. على سبيل المثال، لن تتمتع كييف في البداية بحقوق التصويت الكاملة في قمم القادة واجتماعات الوزراء، مما يمثل خروجاً جذرياً عن الممارسات المعتادة.

تفسح المقترحات الجديدة المجال أمام كييف للحصول تدريجياً على إمكانية الوصول إلى أجزاء من السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، ودعمه الزراعي، وتمويله للتنمية الداخلية، وذلك بعد استيفاء معايير محددة بعد الانضمام الأولي. هذا النهج التدريجي يهدف إلى دمج أوكرانيا في هياكل الاتحاد الأوروبي دون الحاجة إلى استيفاء جميع الشروط المعقدة دفعة واحدة، وهو ما قد يستغرق سنوات طويلة في ظل الظروف العادية.

خلفية تاريخية وسياق جيوسياسي

لطالما كانت عملية توسيع الاتحاد الأوروبي مبنية على “معايير كوبنهاغن” التي وُضعت عام 1993، والتي تشمل استقرار المؤسسات التي تضمن الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان، ووجود اقتصاد سوق فعال، والقدرة على تحمل التزامات العضوية. هذه المعايير، التي تطلبت من دول أوروبا الشرقية والوسطى جهوداً إصلاحية هائلة بعد سقوط الستار الحديدي، أدت إلى انضمام عشر دول في عام 2004، وهو أكبر توسع في تاريخ الاتحاد. ومع ذلك، فإن الوضع الحالي لأوكرانيا، التي تواجه حرباً شاملة، يضع ضغوطاً غير مسبوقة على الاتحاد الأوروبي لإعادة التفكير في آلياته التقليدية. إن رغبة أوكرانيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ليست مجرد طموح اقتصادي، بل هي خطوة استراتيجية حاسمة لترسيخ هويتها الأوروبية وحمايتها من النفوذ الروسي، مما يمنح هذه المقترحات بعداً جيوسياسياً بالغ الأهمية.

تغيير جذري في قواعد الانضمام وتأثيراته المتوقعة

من المتوقع أن تؤدي هذه الخطة إلى تغيير جذري في قواعد الانضمام المتفق عليها عام 1993، والتي تشترط على الدول استيفاء كم هائل من لوائح الاتحاد الأوروبي في مختلف مجالات السياسة، ولا تنضم إلى الاتحاد إلا بعد استيفاء جميع الشروط. وقد علق دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى قائلاً: “الظروف الاستثنائية تتطلب إجراءات استثنائية. نحن لا نقوض التوسع، بل نوسع مفهومه”، مضيفاً أن القواعد وُضعت منذ أكثر من 30 عاماً، وهي بحاجة إلى مزيد من المرونة. وشدد على أن “هذه لحظة تاريخية لا تتكرر إلا مرة واحدة في الجيل، وعلينا اغتنامها”.

ومع ذلك، فإن هذه المقترحات لا تخلو من الجدل. فقد أعرب دبلوماسيون من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ودول أخرى تطمح للانضمام، عن قلقهم البالغ إزاء هذا المفهوم. يخشى البعض أن يكون له تأثير سلبي على استقرار التكتل مستقبلاً، وأن يقلل من قيمة العضوية الكاملة، وأن يثير استياء الدول المرشحة الأخرى التي التزمت بالمسار التقليدي الصارم. هذا القلق مشروع، حيث يمكن أن يؤدي إلى شعور بالظلم بين دول مثل مونتينيغرو وألبانيا، اللتين قطعتا شوطاً كبيراً في مفاوضات الانضمام، وقد تجدان نفسيهما أمام خيار أقل جاذبية أو مسار مختلف تماماً.

تحديات ومخاطر محتملة

يرى بعض الدبلوماسيين الأوروبيين أن هذا النهج قد يخلق “شرخاً مدمراً” بين بروكسل والدول الأعضاء، محذرين من أن محاولة فرض هذا النموذج قد تواجه رفضاً قوياً. كما شدد مسؤولون آخرون على أن أي خطوة لتعديل عملية التوسيع ستعرقل طموحات الدول المرشحة الأخرى للانضمام، وستثير تساؤلات أوسع حول كيفية تفاعل الاتحاد الأوروبي مع جيرانه المقربين. إن الموازنة بين الحاجة الملحة لدعم أوكرانيا والحفاظ على مبادئ الاتحاد الأوروبي ووحدته تمثل تحدياً كبيراً يتطلب حلاً دبلوماسياً وسياسياً دقيقاً لتجنب أي تداعيات سلبية على المدى الطويل.

spot_imgspot_img