في خطوة محورية نحو تعزيز الاقتصاد الدائري ومواجهة تحديات النفايات البلاستيكية المتزايدة، أقر الاتحاد الأوروبي مؤخرًا إدراج تقنيات إعادة التدوير الكيميائي للبلاستيك ضمن الأهداف الإلزامية للمحتوى المعاد تدويره في العبوات البلاستيكية. يأتي هذا القرار، الذي وافقت عليه الدول الأعضاء الـ 27، ليؤكد على رؤية الاتحاد الأوروبي التي ترى في هذه التقنيات أداة فعالة للحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتحقيق استدامة أكبر، وذلك على الرغم من الانتقادات الموجهة لهذه التقنية بشأن فعاليتها البيئية وتكلفتها العالية.
لطالما شكلت النفايات البلاستيكية تحديًا بيئيًا واقتصاديًا عالميًا ضخمًا. فمع تزايد الإنتاج والاستهلاك، تتراكم أطنان البلاستيك في مدافن النفايات والمحيطات، مسببة تلوثًا بيئيًا خطيرًا ومهددة للتنوع البيولوجي. في هذا السياق، يسعى الاتحاد الأوروبي، من خلال استراتيجيته الطموحة للاقتصاد الدائري والصفقة الخضراء الأوروبية، إلى تحويل طريقة تعامله مع الموارد، وتقليل النفايات، وزيادة معدلات إعادة التدوير بشكل كبير.
تعتبر إعادة التدوير الميكانيكية هي الطريقة التقليدية والأكثر شيوعًا لمعالجة البلاستيك، حيث يتم فرز البلاستيك وتنظيفه وصهره وتحويله إلى حبيبات يمكن استخدامها لإنتاج منتجات جديدة. ومع ذلك، تواجه هذه الطريقة قيودًا كبيرة، فهي لا تستطيع التعامل مع جميع أنواع البلاستيك، خاصة البلاستيك المختلط أو الملوث بشدة، كما أن جودة المواد المعاد تدويرها ميكانيكيًا قد تتدهور مع كل دورة إعادة تدوير. هنا تبرز أهمية إعادة التدوير الكيميائي كبديل تكميلي، حيث تقوم هذه التقنية بتفكيك البوليمرات البلاستيكية إلى مكوناتها الأساسية (مونومرات أو زيوت)، مما يتيح إنتاج بلاستيك جديد بجودة مماثلة للبلاستيك البكر، ويمكن استخدامها لمعالجة أنواع البلاستيك التي يصعب إعادة تدويرها ميكانيكيًا.
بموجب القرار الجديد، سيتم احتساب البلاستيك المعاد تدويره كيميائيًا ضمن النسبة الإلزامية للمحتوى المعاد تدويره في العبوات البلاستيكية. حاليًا، يجب أن تحتوي العبوات على 25% على الأقل من البلاستيك المعاد تدويره، ومن المقرر أن ترتفع هذه النسبة إلى 30% بحلول عام 2030. وقد وصفت المفوضة الأوروبية للطاقة، كادري سيمسون، هذا الإدراج بأنه “خطوة أولى مهمة نحو وضع قواعد لإعادة التدوير الكيميائي على مستوى الاتحاد الأوروبي”، مما يعكس التزام المفوضية بتعزيز جميع السبل الممكنة لتحقيق أهداف الاستدامة.
ومع ذلك، لا يخلو هذا التوجه من الجدل. فبينما يرى مؤيدو إعادة التدوير الكيميائي أنها ضرورية لتحقيق أهداف الاقتصاد الدائري، خاصة للبلاستيك الذي لا يمكن إعادة تدويره ميكانيكيًا، يثير المنتقدون مخاوف جدية. تشمل هذه المخاوف التكلفة العالية لإنشاء وتشغيل مصانع إعادة التدوير الكيميائي، واستهلاكها الكبير للطاقة، واحتمالية انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والمواد الكيميائية الضارة خلال العملية. كما يشكك البعض في قدرتها على التوسع بسرعة كافية لتلبية الطلب، ويدعون إلى التركيز بشكل أكبر على تقليل إنتاج البلاستيك والاستخدام المتكرر له.
إن قرار الاتحاد الأوروبي هذا له تأثيرات واسعة النطاق. على المستوى المحلي، سيحفز الاستثمار في البنية التحتية والابتكار في مجال إعادة التدوير الكيميائي داخل الدول الأعضاء، مما يخلق فرص عمل جديدة ويدعم الصناعات الخضراء. إقليميًا ودوليًا، يضع الاتحاد الأوروبي معيارًا جديدًا قد يؤثر على السياسات البيئية في مناطق أخرى من العالم، ويشجع على تبني حلول مماثلة لمواجهة أزمة البلاستيك العالمية. إنه يعكس التوازن الدقيق الذي يسعى الاتحاد لتحقيقه بين تبني التقنيات الجديدة لتحقيق أهدافه البيئية وبين الاستماع إلى المخاوف المشروعة من قبل الجهات المعنية.
في الختام، يمثل دعم الاتحاد الأوروبي لإعادة التدوير الكيميائي للبلاستيك خطوة استراتيجية ضمن جهوده الشاملة نحو اقتصاد دائري خالٍ من النفايات. ورغم التحديات والانتقادات، فإن هذه التقنية تعد جزءًا لا يتجزأ من مجموعة الحلول المطلوبة لمعالجة مشكلة البلاستيك المعقدة، مع التأكيد على ضرورة البحث المستمر عن طرق لتقليل تأثيرها البيئي وتحسين كفاءتها.


