spot_img

ذات صلة

الاتحاد الأوروبي وأمريكا: تصعيد تجاري بسبب غرينلاند

يستعد الاتحاد الأوروبي لاتخاذ خطوة تصعيدية محتملة في علاقاته التجارية مع الولايات المتحدة، حيث يدرس بجدية تعليق المصادقة على اتفاق تجاري حيوي. يأتي هذا التحرك احتجاجاً على تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، التي هدد فيها بفرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية التي أبدت دعمها لغرينلاند في مواجهة ما وصف بـ “التهديدات الأمريكية” المتعلقة برغبة ترامب في شراء الجزيرة.

تُعد هذه التطورات حلقة جديدة في سلسلة التوترات التجارية التي شهدتها العلاقات عبر الأطلسي خلال فترة رئاسة ترامب، والتي تميزت بسياسة “أمريكا أولاً” وفرض رسوم جمركية أحادية الجانب. فالعلاقات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تاريخياً هي الأكبر والأكثر تكاملاً في العالم، حيث تمثل تريليونات الدولارات من التجارة والاستثمار المتبادل، وتدعم ملايين الوظائف على جانبي الأطلسي. ومع ذلك، لم تخلُ هذه العلاقة من فترات خلاف، خاصة فيما يتعلق بالدعم الحكومي لشركات مثل بوينغ وإيرباص، أو الرسوم الجمركية على الصلب والألومنيوم.

ونقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مصدر مقرب من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قوله إن ماكرون، الذي وصف تهديد ترامب بفرض الرسوم الجمركية بأنه «غير مقبول»، كان على اتصال بنظرائه الأوروبيين، وسيقدم الطلب نيابة عن فرنسا. يعكس هذا الموقف الفرنسي إجماعاً أوروبياً متزايداً على ضرورة الرد بحزم على ما يُنظر إليه على أنه إكراه تجاري غير مبرر.

خلفية التهديدات المتعلقة بغرينلاند

تعود جذور الأزمة الحالية إلى اهتمام الرئيس ترامب المعلن بشراء غرينلاند، وهي إقليم دنماركي يتمتع بالحكم الذاتي. رفضت الدنمارك هذا الاقتراح بشكل قاطع، مما أثار غضب ترامب الذي اعتبر الرفض “مهيناً” وألغى زيارة رسمية كان من المقرر أن يقوم بها إلى الدنمارك. تبع ذلك تهديدات بفرض رسوم جمركية على المنتجات الدنماركية أو الأوروبية بشكل عام، كنوع من العقاب على عدم التعاون في هذه المسألة. تكتسب غرينلاند أهمية جيوسياسية متزايدة بسبب موقعها الاستراتيجي في القطب الشمالي ومواردها الطبيعية المحتملة، مما يجعلها نقطة اهتمام للقوى الكبرى.

الموقف الأوروبي الموحد

في هذا السياق، أكد مانفريد فيبر، رئيس حزب الشعب الأوروبي، وهو أكبر كتلة سياسية في البرلمان الأوروبي، أن «الاتفاق مع واشنطن لم يعد ممكناً، وتعهُّد الاتحاد الأوروبي بخفض الرسوم على المنتجات الأمريكية يجب أن يُجمَّد». وأشار فيبر إلى أن حزبه يؤيد اتفاق التجارة بين الاتحاد والولايات المتحدة من حيث المبدأ، لكن في ظل تهديدات دونالد ترامب المتعلقة بغرينلاند، فإن الموافقة عليه غير ممكنة حالياً. هذا الموقف يعكس رغبة أوروبية في إرسال رسالة واضحة بأن الاتحاد لن يتهاون مع استخدام التجارة كأداة للضغط السياسي.

آلية مكافحة الإكراه التجاري

يعتزم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون طلب تفعيل آلية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه التجاري. هذه الآلية، التي تم تطويرها لتمكين الاتحاد الأوروبي من الرد على الإجراءات الاقتصادية القسرية من قبل دول ثالثة، تتيح اتخاذ إجراءات عديدة. من بين هذه الإجراءات تجميد الوصول إلى أسواق المشتريات العامة الأوروبية، أو منع استثمارات معينة، أو فرض رسوم جمركية مضادة. يمثل تفعيل هذه الآلية سابقة مهمة، حيث يظهر استعداد الاتحاد الأوروبي للدفاع عن سيادته الاقتصادية ومصالحه التجارية باستخدام أدوات قوية.

التأثيرات المتوقعة

إن تعليق اتفاق التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة سيكون له تداعيات اقتصادية وسياسية واسعة. اقتصادياً، قد يؤدي إلى حالة من عدم اليقين في الأسواق، ويؤثر على الشركات التي تعتمد على التجارة الحرة بين الكتل الاقتصادية الكبرى. سياسياً، سيزيد هذا التصعيد من التوتر في العلاقات عبر الأطلسي، وقد يضعف التحالفات التقليدية في وقت تحتاج فيه الساحة الدولية إلى التعاون. كما أنه يرسل إشارة إلى بقية العالم حول مدى استعداد الاتحاد الأوروبي للدفاع عن مصالحه، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة شريك تجاري رئيسي. يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان هذا التحرك سيؤدي إلى تصعيد أكبر أم سيدفع نحو حل دبلوماسي للأزمة.

spot_imgspot_img