أعلنت مجموعة لوفتهانزا الألمانية، إحدى أكبر مجموعات الطيران في أوروبا، عن تخفيض كبير في جدول رحلاتها الصيفية، وذلك بإلغاء ما يقرب من 20 ألف رحلة جوية قصيرة المدى حتى نهاية أكتوبر القادم. يأتي هذا القرار الصعب في ظل تفاقم أزمة وقود الطيران الأوروبي، التي شهدت ارتفاعاً حاداً في أسعار وقود الطائرات (الكيروسين) نتيجة للتوترات الجيوسياسية العالمية. هذا الإجراء يهدف إلى التخفيف من الأعباء المالية الناجمة عن التكاليف التشغيلية المتزايدة، مع التركيز على الرحلات الأكثر ربحية.
خلفية الأزمة: تحديات ما بعد الجائحة والاضطرابات الجيوسياسية
لم تكن صناعة الطيران قد تعافت بالكامل من تداعيات جائحة كوفيد-19 التي أدت إلى توقف شبه تام للحركة الجوية العالمية، حتى وجدت نفسها تواجه تحدياً جديداً يتمثل في ارتفاع غير مسبوق في أسعار الطاقة. فبعد فترة من الركود، بدأت شركات الطيران تستعيد عافيتها تدريجياً مع عودة الطلب على السفر، لكن اندلاع الصراع في أوكرانيا في فبراير 2022 وما تبعه من عقوبات على روسيا، أحد أكبر مصدري النفط والغاز في العالم، أحدث صدمة قوية في أسواق الطاقة الأوروبية والعالمية. هذا الوضع أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار النفط الخام ومشتقاته، بما في ذلك الكيروسين، الذي يعتبر شريان الحياة لقطاع الطيران. تضاعفت أسعار الوقود في بعض الأسواق الأوروبية بنسبة تتراوح بين 70% و100% منذ بداية الأزمة، مما جعل العديد من الرحلات الجوية القصيرة غير مجدية اقتصادياً.
توضح لوفتهانزا أن الإلغاءات ستطال حوالي 120 رحلة يومياً غير مربحة، مع التركيز على الرحلات الأوروبية قصيرة المدى من مراكزها الرئيسية في فرانكفورت وميونيخ وزيورخ وفيينا وبروكسل وروما. ومن المتوقع أن يؤدي هذا التخفيض إلى توفير أكثر من 40 ألف طن متري من وقود الكيروسين، في محاولة لتقليص النفقات التشغيلية الهائلة. ورغم أن هذه الإلغاءات تمثل أقل من 1% من إجمالي السعة الاستيعابية للمجموعة، إلا أنها تعكس عمق الأزمة التي تواجهها الشركة والقطاع ككل. وقد شملت الإجراءات السابقة للوفتهانزا إيقاف تشغيل 27 طائرة قديمة مستهلكة للوقود وإغلاق جزئي لوحدتها الإقليمية “سيتي لاين”، في إطار استراتيجية أوسع للتكيف مع الظروف الاقتصادية الصعبة.
تداعيات واسعة: المسافرون، الصناعة، والاقتصاد العالمي
لا تقتصر تداعيات أزمة وقود الطيران الأوروبي على لوفتهانزا وحدها، فقد حذرت وكالة الطاقة الدولية (IEA) من احتمال نقص وقود الطائرات في أوروبا خلال الأسابيع القليلة القادمة، مما دفع شركات طيران أخرى إلى إعادة النظر في جداول رحلاتها. هذا الوضع يهدد بتعطيل خطط ملايين المسافرين، خاصة مع اقتراب موسم العطلات الصيفية الذي يشهد عادة ذروة الطلب على السفر. فمن المتوقع أن يؤدي تقليص الرحلات إلى ارتفاع أسعار التذاكر المتبقية، أو إعادة جدولة الرحلات، مما يسبب إزعاجاً كبيراً للمسافرين ويؤثر سلباً على قطاع السياحة الذي يعتمد بشكل كبير على سهولة الوصول الجوي. على المدى الأوسع، قد تدفع هذه الأزمة شركات الطيران إلى تسريع وتيرة تحديث أساطيلها الجوية بطائرات أكثر كفاءة في استهلاك الوقود، ولكن هذا الحل يتطلب استثمارات ضخمة ووقت طويل للتنفيذ. كما أن استمرار هذه التحديات قد يؤثر على حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، مما يضيف ضغوطاً اقتصادية جديدة على الاقتصادات الأوروبية والعالمية. وتعد هذه الأزمة حلقة جديدة في سلسلة التداعيات الاقتصادية التي تخلفها الصراعات الجيوسياسية على قطاع النقل الجوي الحيوي.


